تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول السرخسي — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
وقد لزمنا معرفة حكم الحادثة بالحجة بحسب الوسع فإما أن يكون الحجة استنباط المعنى من النصوص ، أو استصحاب الحال كما قالوا ، ومعلوم أنه ليس في استصحاب الحال إلا عمل بلا دليل ولا دليل جهل ، والجهل لا يصلح أن يكون حجة باعتبار الأصل ، وهو أيضا مما لا يوقف عليه ، فمن المحتمل أن لا يكون عند بعض الناس فيه دليل ويكون عند بعضهم ، والقياس من الوجه الذي قررنا حجة وإن كان لا يوجب علم اليقين ، ألا ترى أن الشرع جوز لنا الاقدام على المباحات لقصد تحصيل المنفعة ، يعني المسافرة للتجارة والمحاربة للعدو والغلبة على الأعداء بغالب الرأي ، والاجتهاد في أمر القبلة والاشتغال بالمعالجة لتحصيل صفة البرء ، وكل ذلك إقدام من غير بناء على ما يوجب علم اليقين ، ثم هو حسن في بعض المواضع واجب في بعض المواضع . وكذلك تقويم المتلفات ، واعتقاد المعروف في النفقات والمتعة ، فإن ذلك منصوص عليه ، ثم الاقدام عليه بالرأي جائز فكان ذلك عملا بالحجة ، فتبين أن القياس من نوع العمل بما هو حجة في الأصل ولكنه دون الثابت من الحكم بالنص ، فلا يصار إليه إلا في وضع لا يوجد فيه نظر . فأما استصحاب الحال فهو عمل بالجهل فلا يجوز المصير إليه إلا عند الضرورة المحضة بمنزلة تناول الميتة . وسنقرر هذا في بابه إن شاء الله تعالى . فبهم التقرير يتبين أن نفاة القياس يتمسكون بالجهل ، وأن فقهاء الأمصار يعلمون بما هو الحق ، وماذا بعد الحق إلا الضلال . وأما استدلالهم بقوله تعالى : * ( أو لم يكفهم ؟ ) * قلنا نحن نقول بأن ما أنزل من الكتاب كذلك ولكن الاحتجاج بالقياس مما أنزل في الكتاب إشارة وإن كان لا يوجد فيه نصا فإنه الاعتبار المأمور به من قوله تعالى : * ( فاعتبروا ) * وبهذا يتبين أن الحكم به حكم بما أنزل الله فيضعف به استدلالهم بقوله تعالى : * ( ومن لم يحكم بما أنزل الله ) * وبه يتبين أنه من جملة ما تناوله قوله تعالى : * ( تبيانا لكل شئ ) * وقوله تعالى : * ( ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ) * وقد قيل المراد بالكتاب هنا اللوح المحفوظ ، وبهذا يتبين أن العمل بالقياس