تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أصول السرخسي — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
أو للجهل منه بفقه الشريعة ، ثم تبعه على هذا القول بعض المتكلمين ببغداد ، ولكنه تحرز عن الطعن في السلف فرارا من الشنعة التي لحقت النظام ، فذكر طريقا آخر لاحتجاج الصحابة بالقياس هو دليل على جهله ، وهو أنه قال : ما جرى بين الصحابة لم يكن على وجه الاحتجاج بالقياس وإنما كان على وجه الصلح والتوسط بين الخصوم وذكر المسائل لتقريب ما قصدوه من الصلح إلى الافهام . وهذا مما لا يخفى فساده على من تأمل أدنى تأمل فيما نقل عن الصحابة في هذا الباب . ثم نشأ بعده رجل متجاهل يقال له داود الأصبهاني فأبطل العمل بالقياس من غير أن وقف على ما هو مراد كل فريق ممن كان قبله ، ولكنه أخذ طرفا من كل كلام ولم يشتغل بالتأمل فيه ليتبين له وجه فساده ، قال : القياس لا يكون حجة ، ولا يجوز العمل به في أحكام الشرع وتابعه على ذلك أصحاب الظواهر الذين كانوا مثله في ترك التأمل ، وروى بعضهم هذا المذهب عن قتادة ومسروق وابن سيرين ، وهو افتراء عليهم ، فقد كانوا أجل من أن ينسب إليهم القصد إلى مخالفة رسول الله ( ص ) وأصحابه فيما هو طريق أحكام الشرع بعد ما ثبت نقله عنهم . ثم قال بعض نفاة القياس : دلائل العقل لا تصلح لمعرفة شئ من أمور الدين بها والقياس يشبه ذلك . وقال بعضهم : لا يعمل بالدلائل العقلية في أحكام الشرع أصلا وإن كان يعمل بها في العقليات . وقال بعضهم : لا يعمل بها إلا عند الضرورة ولا ضرورة في أحكام الشرع لامكان العمل بالأصل الذي هو استصحاب الحال . وهذا أقرب أقاويلهم إلى القصد فيحتاج في تبين وجه الفساد فيه إلى إثبات أن القياس حجة أصلية في تعدية الاحكام لا حجة ضرورية ، وإلى أنه مقدم في الاحتجاج به على استصحاب الحال . ولكن نبدأ ببيان شبهتهم ، فإنهم استدلوا بظاهر آيات من الكتاب ، منها قوله تعالى : * ( أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم ) * وفي المصير إلى الرأي لاثبات حكم في محل قول بأن الكتاب غير كاف . وقال