بن عمر ، فإنا نحمل على أنهما جاء أحدهما بعد الآخر وأخبرا بذلك ، وإنما
تحولوا معتمدين على خبر البالغ وهو أنس بن مالك ، أو كان ابن عمر
بالغا يومئذ وإنما رده رسول الله ( ص ) في القتال لضعف بنيته
يومئذ لا لأنه كان صغيرا فإن ابن أربع عشرة سنة يجوز أن يكون بالغا .
فأما المغفل فإن كان أغلب أحواله التيقظ فهو بمنزلة من لا غفلة به في
الرواية والشهادة ، لان ما به من الغفلة يسير قلما يخلو العدل عن مثله
إلا من عصمه الله تعالى ، وإن تفاحش ما به من الغفلة حتى ظهر ذلك
في أغلب أموره فهو بمنزلة المعتوه ، لان ما يلزم من النقصان في المرء
بطريق العادة يجعل بمنزلة الثابت بأصل الخلقة ، ألا ترى أنه يترجح معنى
السهو والغلط في الرواية باعتبارهما جميعا كما يترجح جانب الكذب باعتبار
فسق الراوي .
وأما المساهل فهو كالمغفل فإنه اسم لمن يجازف في الأمور ولا يبالي بما
يقع له من السهو والغلط ، ولا يشتغل فيه بالتدارك بعد أن يعلم به ، فيكون
بمنزلة المغفل إذا ظهر ذلك في أكثر أموره .
وأما صاحب الهوى فقد بينا أن الصحيح أنه لا تعتمد روايته في أحكام
الدين وإن كانت شهادتهم مقبولة إلا الخطابية ، فإن الهوى لا يكون مرجحا
جانب الكذب في شهادته على ما قررنا ، إلا الخطابية وهم ضرب من الروافض
يجوزون أداء الشهادة إذا حلف المدعي بين أيديهم أنه محق في دعواه ،
ويقولون المسلم لا يحلف كاذبا ، ففي هذا الاعتقاد ما يرجح جانب الكذب
في شهادتهم لتوهم أنهم اعتمدوا ذلك . وكذلك قالوا فيمن يعتقد أن الالهام
حجة موجبة للعلم لا تقبل شهادته لتوهم أن يكون اعتمد ذلك في أداء
أصول السرخسي — صفحة 373
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص٣٧٣