النقد المعهود فيصير زيفا مردودا من هذا الوجه . والشافعي أعرض عن طلب
الانقطاع معنى واشتغل ببناء الحكم على ظاهر الانقطاع في المرسل فترك العمل
به مع قوة المعنى فيه كما هو دأبه ودأبنا ، فإنه يبني على الظاهر أكثر الاحكام ،
وعلماؤنا يبنون الفقه على المعاني المؤثرة التي يتضح الحكم عند التأمل فيها .
وأما النوع الثاني وهو ما يبتنى على نقصان حال الراوي فبيان ذلك في فصول :
منها خبر المستور ، والفاسق ، والكافر ، والصبي ، والمعتوه ، والمغفل ،
والمساهل ، وصاحب الهوى .
أما المستور فقد نص محمد رحمه الله في كتاب الاستحسان على أن خبره
كخبر الفاسق ، وروى الحسن عن أبي حنيفة رضي الله عنهما أنه بمنزلة العدل في
رواية الاخبار لثبوت العدالة له ظاهرا بالحديث المروي عن رسول الله
( ص ) ( وعن عمر رضي الله عنه ) : المسلمون عدول بعضهم على بعض . ولهذا جوز
أبو حنيفة القضاء بشهادة المستورد فيما يثبت مع الشبهات إذا لم يطعن الخصم ،
ولكن ما ذكره في الاستحسان أصح في زماننا ، فإن الفسق غالب في أهل هذا
الزمان فلا تعتمد رواية المستورد ما لم تتبين عدالته كما لم تعتمد شهادته في القضاء قبل
أن تظهر عدالته ، وهذا بحديث عباد بن كثير أن النبي عليه السلام قال : لا تحدثوا
عمن لا تعلمون بشهادته ولان في رواية الحديث معنى الالزام فلا بد من أن يعتمد
فيه دليل ملزم وهو العدالة التي تظهر بالتفحص عن أحوال الراوي .
وأما الفاسق فقد ذكر في كتاب الاستحسان أنه إذا أخبر بطهارة الماء
أو بنجاسته أو بحل الطعام والشراب وحرمته فإن السامع يحكم رأيه في
ذلك ، فإن وقع عنده أنه صادق فعليه أن يعمل بخبره وإلا لم يعمل به ،
وعلى هذا قال بعض مشايخنا رحمهم الله : الجواب كذلك فيما يرويه الفاسق .
قال رضي الله عنه : والأصح عندي أن خبره لا يكون حجة لأنه غير مقبول
الشهادة وفي حل الطعام وحرمته وطهارة الماء ونجاسته إنما اعتبر خبره إذا تأيد
أصول السرخسي — صفحة 370
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص٣٧٠