سواء في معنى التحدث بما في الكتاب ، ألا ترى أن في الشهادات لا فرق
بين أن يقرأ من عليه الحق ذكر إقراره عليك وبين أن تقرأه عليه ، ثم
تستفهمه هل تقر بجميع ما قرأته عليك فيقول نعم ، وبكل واحد من الطريقين
يجوز أداء الشهادة ، وباب الشهادة أضيق من باب رواية الخبر ، فكان المعنى
فيه أن نعم جواب مختصر ولا فرق في الجواب بين المختصر والمشبع ، فيصير
ما تقدم كالمعاد في الجواب كله ، ثم للطالب من الرعاية عند القراءة عادة
ما ليس للمحدث ، فعند قراءة المحدث لا يؤمن من الخطأ في بعض ما يقرأ
لقلة رعايته ، ويؤمن ذلك إذا قرأ الطالب لشدة رعايته .
فإن قيل عند قراءة الطالب يتوهم أن يسهو المحدث عن بعض ما يسمع
وينتفي هذا التوهم إذا قرأه المحدث لشدة رعاية الطالب في ضبط ما يسمع منه .
قلنا : هو كذلك ولكن السهو عن سماع البعض مما لا يمكن التحرز عنه
عادة وهو أيسر مما يقع بسبب الخطأ في القراءة ، فمراعاة ذلك الجانب أولى .
والوجهان الآخران الكتابة والرسالة ، فإن المحدث إذا كتب إلى غيره
على رسم الكتب وذكر في كتابه : حدثني فلان عن فلان إلى آخره ،
ثم قال : وإذا جاءك كتابي هذا وفهمت ما فيه فحدث به عني فهذا صحيح .
وكذلك لو أرسل إليه رسولا فبلغه على هذه الصفة ، فإن رسول الله عليه السلام
كان مأمورا بتبليغ الرسالة ، وبلغ إلى قوم مشافهة وإلى آخرين بالكتاب
والرسول وكان ذلك تبليغا تاما . وكذلك في زماننا يثبت من الخلفاء تقليد
السلطنة والقضاء بالكتاب والرسول بهذا الطريق كما يثبت بالمشافهة ، إلا أن
المختار في الوجهين الأولين للراوي أن يقول حدثني فلان ، وفي الوجهين
الآخرين أن يقول أخبرني ، لان في الوجهين الأولين شافهه المحدث بالاسماع
فيكون محدثا له ، وفي الوجهين الآخرين لم يشافهه ولكنه مخبر له بكتابه ،
فإن الكتاب ممن بعد كالخطاب ممن حضر ، والرسول كالكتاب أو أقوى
لان معنى الضبط يوجد فيهما ، ثم الرسول ناطق والكتاب غير ناطق .
وعلى هذا ذكر في الزيادات : إذا حلف أن لا يتحدث بسر فلان أو لا يتكلم
أصول السرخسي — صفحة 376
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص٣٧٦