الشهادة بناء على اعتقاده . فأما من سواهم من أهل الأهواء ليس فيما
يعتقدون من الهوى ما يمكن تهمة الكذب في شهادتهم ، لان الشهادة من
باب المظالم والخصومات ، ولا يتعصب صاحب الهوى بهذا الطريق مع من هو
محق في اعتقاده حتى يشهد عليه كاذبا ، فأما في أخبار الدين فيتوهم بهذا
التعصب لافساد طريق الحق على من هو محق حتى يجيبه إلى ما يدعو إليه
من الباطل ، فلهذا لا تعتمد روايته ولا تجعل حجة في باب الدين ،
والله أعلم .
فصل : في بيان أقسام الاخبار
قال رضي الله عنه : هذه الأقسام أربعة : خبر يحيط العلم بصدقه ،
وخبر يحيط العلم بكذبه ، وخبر يحتملهما على السواء ، وخبر يترجح فيه
أحد الجانبين .
فالأول : أخبار الرسل المسموعة منهم ، فإن جهة الصدق متعين فيها لقيام
الدلالة على أنهم معصومون عن الكذب وثبوت رسالتهم بالمعجزات الخارجة
عن مقدور البشر عادة ، وحكم هذا النوع اعتقاد الحقية فيه والائتمار به
بحسب الطاقة ، قال تعالى : * ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم
عنه فانتهوا ) * .
والنوع الثاني : نحو دعوى فرعون الربوبية مع قيام آيات الحدث فيه
ظاهرا ، ودعوى الكفار أن الأصنام آلهة أو أنها شفعاؤهم عند الله ،
أو أنها تقربهم إلى الله زلفى مع التيقن بأنها جمادات ، ونحو دعوى
زرادشت وماني ومسيلمة وغيرهم من المتنبئين النبوة مع ظهور أفعال تدل على
السفه منهم ، وأنهم لم يبرهنوا على ذلك إلا بما هو مخرفة من جنس أفعال
المشعوذين ، فالعلم يحيط بكذب هذا النوع ، وحكمه اعتقاد البطلان فيه ثم
الاشتغال برده باللسان واليد بحسب ما تقع الحاجة إليه في دفع الفتنة .
والنوع الثالث : نحو خبر الفاسق في أمر الدين ، ففيه احتمال الصدق باعتبار
أصول السرخسي — صفحة 374
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص٣٧٤