فإن تجاسر متجاسر إلى أن يقول : كل مسألة مما اختلفوا فيه عليه دليل قاطع ، ومن خالفه مخطئ فاسق يلزمه أن يفسق الطائفة بأجمعها ويضلل الشيوخ المتقدمين كلهم فإنه لا يمكن أن يدعي على أحد موافقته في جميع أحكام الشرع ، ومن بلغ إلى هذا الحد لا يحسن مكالمته ، ويجب التغافل عنه بالسكوت .
وإن امتنع من تفسيقهم وتضليلهم ، فلا يمكنه إلا أن العمل بما عملوا به كان حسنا جائزا خاصة ، وعلى أصولنا [ 1 ] أن كل خطأ وقبيح كبير [ 2 ] فيمكن أن يقال : إن خطأهم كان صغيرا ، فانحبط [ 3 ] على ما تذهب إليه المعتزلة [ 4 ] ، فلأجل ذلك لم يقطعوا الموالاة وتركوا التفسيق فيه والتضليل .
فإن قال قائل [ 5 ] : أكثر ما في هذا الاعتبار أن يدل على أنهم غير مؤاخذين بالعمل بهذه الأخبار ، وأنه قد عفي عنهم ، وذلك لا يدل على صوابهم ، لأنه لا يمتنع
هامش
[ 1 ] إشارة إلى أنه على أصول المعتزلة أيضا لا يمكن : إن يقال أن خطاءهم منحبط ، لأنه وإن كان صغيرا يصير مع الإصرار كبيرا عندهم ، ولا شك أن الإصرار فيما نحن فيه متحقق .
[ 2 ] قال الشيخ المفيد ( ره ) : « إنه ليس في الذنوب صغيرة في نفسه ، وإنما يكون فيها بالإضافة إلى غيره ، وهو مذهب أكثر أهل الإمامة والإرجاء ، وبنو نوبخت - رحمهم الله - يخالفون فيه ويذهبون في خلافه إلى مذهب أهل الوعيد والاعتزال . أوائل المقالات : 83 ، انظر أيضا الذخيرة : 534 - 533 .
[ 3 ] انظر تفصيل مسألة ( التحابط بين الطاعة والمعصية ) في » الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد « : الفصل 2 ص 206 - 193 .
[ 4 ] ويسمون أصحاب العدل والتوحيد أو القدرية والعدلية ، المشهور أن مؤسس المعتزلة هو واصل بن عطاء الغزال فإنه كان في أول أمره يحضر مجلس الحسن البصري فاختلفا في الفاسق ، فقال واصل وتبعه عمرو بن عبيد : إن الفاسق من أمة الإسلام لا مؤمن ولا كافر بل هو في منزلة بين المنزلتين ، فاعتزلا مجلس البصري ، ثم عظم أمرهما وأمر المعتزلة في التاريخ الإسلامي ، وكانت لها تأثيرات بعيدة المدى في مسار الفكر والثقافة الإسلامية .
[ 5 ] حاصلة أن ما ذكرتم إنما يدل على عدم ارتفاع استحقاق العقاب وهو لا ينافي العفو ، فيمكن أن يكون عدم تفسيقهم لأنه معفو عنهم لا لعدم استحقاقهم العقاب .