فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ( 1 ) قالوا : أوجب علينا التوقف عند خبر الفاسق ، فينبغي أن يكون خبر العدل بخلافه وأن يجب العمل به ، وترك التوقف فيه [ 1 ] . وهذا أيضا لا دلالة فيه ، لأن هذا أولا استدلال بدليل [ 2 ] الخطاب [ 3 ] ، ومن أصحابنا [ 4 ] من قال : إن دليل الخطاب ليس بدليل ، فعلى هذا المذهب لا يمكن
هامش
( 1 ) الحجرات : 6 . .
[ 1 ] انظر : « التبصرة : 304 و 312 ، شرح اللمع 2 : 588 - 587 و 604 ، الذريعة 2 : 56 ، المعتمد 2 : 116 « فإن جميع القائلين بحجية الخبر الواحد استدلوا بظهور وبدليل الخطاب في هذه الآية الشريفة على أن خبر غير الفاسق حجة ، ما عدا ابن حزم الأندلسي فإنه ذهب ( الأحكام : 1 - 106 و 5 - 116 ) إلى حجية خبر غير الفاسق ، إلا أنه لم يتمسك بظاهر الآية للدلالة على لزوم خبر الواحد ، بل استدل بها مع مقدمتين ، يقول : « وقد توهم من لا يعلم أنا إنما أوجبنا قبول خبر العدل من قوله تعالى : إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا فقط .
وقد أغفل من تأول علينا ذلك ، ولو لم تكن إلا هذه الآية وحدها لما كان فيها ما يدل على قبول خبر العدل ولا على المنع من قبوله ، بل إنما منع منها من قبول خبر الفاسق فقط وكان يبقى خبر العدل موقوفا على دليله ، ولكن لما استفاضت هذه الآية التي فيها المنع من قبول خبر الفاسق إلى الآية التي فيها قبول نذارة النافر للتفقه ، صارتا مقدمتين أنتجتا قبول خبر الواحد العدل دون الفاسق بضرورة البرهان » .
[ 2 ] دليل الخطاب مفهوم المخالفة وهو فيما نحن فيه مفهوم الصفة ، وربما يقال إنه مفهوم الشرط بأن يقال مفهومه : إن جاءكم عادل بنبأ فلا تتبينوا .
[ 3 ] وصف الشيخ المفيد ( ره ) دليل الخطاب ( التذكرة : 39 ) بقوله : « هو أن الحكم إذا علق ببعض صفات المسمى في الذّكر ، دل ذلك على أن ما خالفه في الصفة مما هو داخل تحت الاسم بخلاف ذلك الحكم ، إلا أن يقوم دليل على وفاقه فيه ، كقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( في سائمة الإبل الزكاة ) فتخصيصه السائمة بالزكاة دليل على أن العاملة ليس فيها زكاة » .
[ 4 ] وهو الشريف المرتضى ( ره ) حيث أنكر دليلية دليل الخطاب إلا بمقدار ما يقتضيه لفظ الخطاب ، يقول :
« ومما يدل ابتداء على بطلان دليل الخطاب أن اللفظ إنما يدل على ما يتناوله ، أو على ما يكون بان يتناوله أولى ، فأما أن يدل على ما لم يتناوله ولا هو بالتناول أولى فمحال » [ الذريعة 1 : 399 - 398 و 2 : 59 ] وهذا المذهب مختار أبي على الجبائي وابنه أبي هاشم ، وأكثر المتكلمين - إلا من شذ منهم - وأبي العباس بن سريج ، وجماعة من شيوخ أصحاب الشافعي ، كأبي بكر الفارسي ، وأبي حامد المروزي ، والقفال ، وغيرهما ، وجمهور الظاهريين ، وطوائف من المالكيين ، فإن جميعهم يعتقدون أن الخطاب إذا ورد وكان معلقا بصفة ما أو بزمان ما أو بعدد ما لم يدل على أن ما عداه بخلافه ، بل كان موقوفا على دليل . انظر : « الذريعة 1 : 392 ، الإحكام 7 : 323 ، المعتمد 2 : 116 ، روضة المناظر : 246 ، التبصرة : 218 شرح اللمع 1 : 428 » .