الشافعي [ 1 ] في تعلقه بقوله تعالى : أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا ( 1 ) بأن يقال : لما دل الدليل على أن الحكم المذكور في الآية يتعلق بالجماع ، وجب حمل الآية على أن المراد به دون غيره من وجهين : أحدهما : إنا قد بينا أن اللفظ إذا تناول شيئين ، فليس في ثبوت كون أحدهما مرادا ما ينافي أن يكون الآخر أيضا مرادا . والَّذي يقتضيه عندنا الوقف إن لم يكن الوقت وقت الحاجة ، وإن كان الوقت وقت الحاجة وجب حمله عليهما جميعا . والوجه الثاني : أن تسمية الجماع باللمس إنما هو على طريق المجاز دون الحقيقة ، وقد بينا أن اللفظ يجب حمله على الحقيقة ، إلا أن يدل دليل على أنه أراد المجاز . ولو دل أيضا الدليل على أنه أراد المجاز ، لم يكن ذلك مانعا من أن يريد به ما تقتضيه حقيقته ، إلا أن يدل دليل على أنه لم يرد حقيقته ، على ما قدمنا القول فيه . وكذلك القول في قوله تعالى : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ( 2 ) أن ثبوت الوطء مراد بالآية لا يمنع من إرادة العقد بها أيضا على ما قدمناه ، فينبغي أن يجري الباب على ما حررناه ، فإن أعيان المسائل لا تنحصر ، وأصولها ما حررناه . ونعود الآن إلى الترتيب الَّذي وعدنا به في أبواب أصول الفقه على ما قررناه إن شاء الله تعالى .
العدة في أصول الفقه ( عدة الأصول ) ( ط . ج ) — صفحة 60
مساهمون: الشيخ الطوسي
ص٦٠
هامش
( 1 ) النساء : 43 . .
( 2 ) النساء : 22 . .
[ 1 ] هو محمد بن إدريس القرشي ، ولد عام 150 ه بغزة . تلقى العلم في حلقات مكة والمدينة واليمن والعراق على تسعة عشر شيخا ، وله رحلات علمية عديدة ، بلغ مرتبة عالية في الفقه والحديث السني وصار له مقام مرموق وتتلمذ عليه جماعة . يقال إنه كان يؤيد العلويين ويساندهم في نضالهم ضد العباسيين فاعتقل في اليمن بأمر الرشيد وسيق مكبلا إلى بغداد . له أشعار عديدة في مدح أهل البيت عليهم السلام . تنقسم حياة الشافعي إلى مرحلتين . فترة مكوثه في العراق ، وفترة إقامته بمصر ، وحينما غادر العراق متوجها إلى مصر تبدلت آراؤه الفقهية فقسم أتباعه فتاواه إلى القديم ويقصدون به فتاواه في العراق ، وإلى الجديد ويقصدون به فتاواه في مصر . له مؤلفات أهمها كتاب ( الرسالة ) وكتاب ( الأم ) ، توفي الشافعي بمصر عام 204 ه . يعد الشافعي من أئمة المذاهب السنية الأربعة ، وينتشر أتباعه في بعض الأقطار الإسلامية .