الذي شرفه فوق شرفه ، وسلفه في الجاهلية أكرم من سلفه ، لا تعرف الماديات
في الجاهلية إلا بهم ولا الفضل إلا فيهم ، صفة من اصطفاها الله واختارها .
فلا يغتر الجاهل بأنه قعد عن الخلافة بمثابرة من ثابر عليها ، وجالد بها ،
والسلال المارقة ، والأعوان الظالمة ، ولئن قلتم ذلك كذلك إنما استحقها بالسبق
تالله مالكم الحجة في ذلك ، هلا سبق صاحبكم إلى المواضع الصعبة ، والمنازل
الشعبة والمعارك المرة ، كما سبق إليها علي بن أبي طالب صلوات الله عليه ، الذي لم
يكن بالقبعة ( 1 ) ولا الهبعة ( 2 ) ، ولا مضطغنا آل الله ، ولا منافقا رسول الله .
كان يدرأ عن الإسلام كل أصبوحة ، ويذب عنه كل أمسية ويلج في الليل الديجور
المظلم الحلكوك ( 3 ) ، مرصدا للعدو ، هو ذل ( 4 ) تارة ، وتضكضك ( 5 ) أخرى ، ويا رب
هامش
( 1 ) يقال : فبع القنفذ يقبع قبوعا أدخل رأسه في جلده ، وكذلك الرجل إذا أدخل
رأسه في قميصه ، وامرأة قبعة طلعة تقبع مرة وتطلع أخرى ، والقبعة أيضا طوير أبقع مثل
العصفور يكون عنده حجرة الجرذان ، فإذا فزع ورمى بحجر انقبع فيها - البحار .
( 2 ) هبع هبوعا مشى ومد عنقه . وكأن الأول كناية عن الجبن ، والثاني عن الزهو
والتبختر - البحار .
( 3 ) الحلكوك بالضم والفتح : الأسود الشديد السواد - البحار .
( 4 ) وهو ذل في مشيه : أسرع - البحار .
( 5 ) والضكضكة : مشية في سرعة ، وتضكضك انبسط وابتهج ، والأخير أنسب -
البحار .