وخوّفوه أن يقبض عليه ، وأرادوا بذلك أن يتمّ التدبير لهم ، في تملَّك يوسف ابن وجيه البلد .
فلم يجسر ابن مكتوم على ذلك ، وقال : لأن يقبض عليّ ، وليس لي إليه ذنب يقتلني به ، أحبّ إليّ من أن أصيّر لنفسي ذنبا عند عليّ بن بويه ، فيقتلني به ، فإنّه يظن أنّي واطأت على خروج البلد من يده لأكسر مال الضمان ، ويقول لي : كان يجب الصبر ، إلى أن يدخل ، فيقبض عليك ، أو تجيئني بعد واقعة يخدش فيها رجل ، ولم يبرح ، وأخلد إلى خدمته [ الخدمة ] العظيمة ، فنفعه ذلك ، وتخلَّص .
قال : فلما كشف له يوسف ، ما كان في نفسه ، دعا له ، وشكره ، وتذلَّل .
فقال له يوسف : وقد كنت عملت أن لا أشرب ، إلى أن أفتح هذا البلد الذي أقصده ، ولكن قد اشتقت إلى الشرب ، شهوة لأن أشرب [ 100 ] معك ، لما رأيته من ظرفك وفتوّتك ، فتعود العشيّة إلى الشرب ، ومعك من تأنس به من أصحابك .
قال : فانصرف ، واختار جماعة من وجوه البلد ، ووجوه المتصرّفين « 1 » ، كنت واحدا منهم .
وجاءنا رسول يوسف بعد الظهر ، فركب ، ونحن معه ، حتى أوصلنا إلى حضرته ، فأجلسنا في فازة بهنسي « 2 » لم أر قبلها مثلها حسنا ، في صدرها سدّة « 3 » أبنوس مضبّبة بالذهب ، ومساميرها ذهب ، وعليها دست ديباج
هامش
« 1 » المتصرفون : الموظفون .
« 2 » فازة بهنسي : الفازة مظلة بعمودين ، وبهنسي : نسبة إلى البهنسا ، وهي مدينة بمصر من الصعيد الأدنى غربي النيل ( معجم البلدان 1 / 771 ) .
« 3 » السدة ، وجمعها سدد : ما يجلس عليه كالمنبر .