مشكلة ، وكلّ يدّعي بيّنة وشهودا ، ويدلي بحجج تحتاج إلى تأمّل وتثبّت ، فرددت الخصوم ، رجاء أن يصطلحا ، أو يتعيّن لي وجه فصل ما بينهما .
قال : فوقف أحدهما ، من خبري ، على أنّي أحب الرطب السكر « 1 » ، فعمد ، في وقتنا ، وهو أول أوقات الرطب ، إلى أن جمع رطبا سكَّرا ، لا يتهيّأ في وقتنا جمع مثله إلَّا لأمير المؤمنين ، وما رأيت أحسن منه ، ورشا بوّابي جملة دراهم ، على أن يدخل الطبق إليّ ، ولا يبالي أن يردّ ، فلما أدخل إليّ ، أنكرت ذلك ، وطردت بوّابي ، وأمرت بردّ الطبق ، فردّ .
فلما كان اليوم ، تقدم إليّ مع خصمه ، فما تساويا في قلبي ، ولا في عيني ، وهذا يا أمير المؤمنين ، ولم أقبل ، فكيف لو قبلت ، ولا آمن أن تقع عليّ حيلة في ديني ، فأهلك ، وقد فسد الناس ، فأقلني ، أقالك اللَّه ، واعفني « 2 » .
فأعفاه « 3 » .
هامش
« 1 » الرطب السكر : من أحسن أنواع الرطب ، ويسمى الآن في العراق : السكري ، وهو شديد الحلاوة ، ويؤكل خلالا ، ورطبا ، وتمرا .
« 2 » راجع خلاصة الذهب المسبوك 124 و 125 .
« 3 » خاصم أبو دلامة ، رجلا إلى القاضي عافية ، فقال :لقد خاصمتني غواة الرجا
ل وخاصمتهم سنة وافيه
فما أدحض اللَّه لي حجة
ولا خيب اللَّه لي قافيه
ومن كنت من جوره خائفا
فلست أخافك يا عافيهفقال له عافية : لأشكونك إلى أمير المؤمنين ، قال : لم تشكوني ؟ قال : لأنك هجوتني ، قال : واللَّه ، لئن شكوتني إليه ليعزلنك ، قال : ولم ؟ قال : لأنك لا تعرف الهجاء من المديح ( تاريخ بغداد للخطيب 12 / 310 ) .