تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
ومتى أحسّ بقلَّة الطعام ، وعجزه عن الإقدام ، أمعن في أوّله ، إمعان لكيّس في سعيه ، الرشيد في أمره ، المالىء لبطنه ، من كل حارّ وبارد . فإذا فعل ذلك ، سلم من عواقب الأغمار ، الذين يكفّون تظرّفا ، ويقلَّون تأدبا ، ويظنون أنّ المادة تبلغهم إلى آخر أمرهم ، وتنتهي بهم إلى غاية شبعهم ، فلا يلبثون أن يخجلوا خجلة الوامق ، وينقلبوا بحسرة الخائب ، أعاذنا اللَّه من مثل مقامهم ، وعصمنا من شقاء جدودهم . وأمره أن يروض نفسه ، ويغالط حسّه ، ويضرب عن كثير مما يلحقه صفحا ، ويطوي دونه كشحا ، ويستحسن الصمم عن الفحشاء ، ويغمض عن اللفظة الخشناء ، وإن أتته اللكزة في حلقه ، صبر عليها في الوصول إلى حقه ، وإن وقعت به الصفعة في رأسه ، أغضى عنها لمراتع أضراسه ، وإن لقيه ملاق بالجفاء ، قابله باللطف والصفاء ، إذ كان إذا ولج الأبواب ، وخالط الأسباب ، وجلس مع الحضور ، وامتزج بالجمهور ، فلا بدّ أن يلقاه المنكر لأمره ، ويمرّ به المستغرب لوجهه ، فإن كان حرّا حييّا ، أمسك وتذمّم ، وإن كان فظَّا غليظا ، همهم وتكلَّم ، وأن يجتنب عند ذلك المخاشنة ، ويستعمل مع المخاطب له الملاينة ، ليردّ غيظه ، ويفلّ حدّه ، ويكف غربه ، ثم إذا طال المدى تكررت الألحاظ عليه فعرف ، وأنست النفوس به فألف ، ونال في الحال المجتمع عليها ، منال من جشم وسيل « 1 » العنا إليها . ولقد بلغنا أنّ رجلا من هذه العصابة ، كان ذا فهم ودراية ، وعقل وحصافة ، طفل على وليمة رجل ذي حال عظيمة ، فرمقته فيها من القوم العيون ، وتصرّفت بهم فيه الظنون ، فقال له قائل منهم . من تكون أعزّك اللَّه ؟
هامش
« 1 » الوسيل : جمع وسيلة .