حتى يحصل محصلا ، قلَّما حصله أحد قبله فانصرف عنه ، إلَّا ضلعا « 1 » من الطعام ، نزيفا « 2 » من المدام .
وأمره أن ينصب الأرصاد ، على منازل المغنّيات والمغنّين ، ومواطن الإبليات « 3 » والمخنّثين « 4 » ، فإذا أتاه خبر لمجمع يضمّهم ، أو مأدبة تعمّهم ، ضرب إليها أعقاب إبله ، وانضى حولها مطايا خيله ، وحمل عليها حملة الحوت الملتقم ، والثعبان الملتهم ، والليث الهاجر ، والعقاب الكاسر .
وأمره أن يتجنّب مجامع العوام المقلَّين ، ومحافل الرعاع المقترين ، وأن لا ينقل إليها قدما ، ولا يفضّ لمأكلها فما ، ولا يلقي في عتب دورها كيسانا « 5 » ، ولا يعدّ الرجل منها إنسانا ، فإنها عصابة تجتمع لها ضيق النفوس والأحوال ، وقلَّة الأحلام والأموال ، وفي التطفيل عليها إجحاف بها يؤثم ، وإرزاء بمروءة المطفّل ، والتجنّب لها أجدى ، والازورار عنها أرجى .
وأمره أن يحزر الخوان إذا وضع ، والطعام إذا نقل ، حتى يعرف بالحدس والتقريب ، والبحث والتنقيب ، عدد الألوان ، في الكثرة والقلَّة ، وافتنانها في الطيب واللذّة ، فيقدّر لنفسه أن يشبع مع آخرها ، وينتهي عند انتهائها ، ولا يفوته النصيب من كثيرها وقليلها ، ولا يخطئه الحظَّ من دقيقها وجليلها .
هامش
« 1 » ضلع ضلعا : امتلأ شبعا .
« 2 » النزيف : السكران .
« 3 » الإبليات : النائحات ، والتأبيل بمعنى التأبين ، أي ذكر الميت بعد وفاته ، والإبليات كن يرقصن ويغنين في الأفراح ( الديارات 152 ) وينحن في مجالس الأحزان ( الأغاني 7 / 306 و 8 / 346 و 10 / 192 ) .
« 4 » كان المخنثون يستأجرون للطم في المآتم ( معجم الأدباء 5 / 205 ) وللرقص في الأفراح ( القصة 4 / 104 من نشوار المحاضرة ج 4 ص 219 ) .
« 5 » كيسان : فهر أبي سلمة الطفيلي ، راجع حاشية القصة 7 / 83 من النشوار .