تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
فما كان لي همّة ، إلَّا غلق الباب وراءهما ، وترسه ، ووقعت مغشيا عليّ ، وذهب عقلي عني إلى قريب من نصف الليل ، فأفقت وقد لحقني البرد ، فلم أزل أرتعد فزعا وبردا ، إلى وجه السحر ، وسمعت صوت الدبادب « 1 » ، فخرجت عريانا ، حتى أتيت إلى بيتي . وآليت على نفسي ، أن لا أمضي إلى موضع لا أخبره ، ولا مع من لا أعرف باطنه ، وحمدت اللَّه على العافية « 2 » . تحفة المجالس ونزهة المجالس 244
هامش
« 1 » الدبادب : طبول صغار ، تسمى الآن ببغداد : الدنبركه ، وكانت تضرب على أبواب الأمراء في أوقات الصلاة . « 2 » في الفرج بعد الشدة 2 / 59 إضافة لما تقدم : وما حدثت أحدا بهذا الحديث مدة ، لبقية الفزع ، ثم بعد انقضاء سنة ، أو قريب منها ، كنت يوما عند صاحب الشرطة بنصيبين ، لصداقة كانت بينه وبين أبي ، فلم ألبث ، أن حضر من عرفه عن عثور الطوف على جماعة من اللصوص ، في قرية سماها من قرى نصيبين ، وقبضه على سبعة نفر منهم ، وفوت الباقين ، فأمر بإحضارهم ، فوقع بصري منهم على ذلك الغلام الذي أجارني ذلك اليوم ، وعلى أستاذه ، ثم مقبل ، فأخذتني رعدة تبينت في ، وأخذ مقبل من بينهم مثل ما أخذني ، فقال لي صاحب الشرطة : ما لك ؟ فقلت له : إن حديثي طويل ، ولعل اللَّه أراد بحضوري هذا المجلس ، سعادة نفر ، وشقاوة نفر ، فقال : هات ، فقصصت عليه قصتي مع القوم إلى آخرها ، فتعجب ، وقال : هلا شرحتها لي من قبل ، حتى كنت أطلبهم ، وانتصف لك منهم ؟ فقلت : إن الفزع الذي كان في قلبي منهم ، لم يبسط لساني به ، فقال : من ذا الذي كان معك من هؤلاء ؟ قلت : الغلام ، وأستاذه ، وواحد من الباقين ، فأمر بحل كتافهم ، وتمييزهم من بين أصحابهم ، ودعا مقبلا ، فقال : ما حملك على ما فعلت بابن أستاذك ؟ فقال : سوء الأصل ، وخبث العرق ، فقال : لا جرم ، تقابل بفعلك ، وأمر به فضرب عنقه ، وأصحابه الباقين ، ودعا بالغلام وأستاذه ، وصاحبهما ، وقال لهما : لقد أحسنتما في دفعكما عن هذا الفتى ، واللَّه يجزيكما عن فعلكما الخير ، فتوبا إلى اللَّه من فعلكما ، وانصرفا في صحبة اللَّه ، مع صاحبكما ، ولا تعودا إلى ما كنتما عليه من التلصص ، فقد مننت عليكما ، لحسن صنيعكما مع هذا الفتى ، فإن ظهرت عليكما ثانيا ، الحقتكم بأصحابكم ، فشكروه ، ودعوا له ، وانصرفوا ، وشكرته على ما فعل ، وحمدت اللَّه على توفيقي لقضاء حق من أجارني ، والانتقام ممن ظلمني ، ثم صار ذلك الغلام وأستاذه من أصدقائي ، وكانا يختلفان إلي .