وكان قد ترك التصرّف « 1 » قبل ذلك بسنين ، ولزم بيته ، وحالفه النقرس « 2 » ، فأزمنه « 3 » ، حتى صار لا يتمكَّن من التصرّف إلَّا محمولا على الأيدي ، أو في محفّة « 4 » ، وكان مع ذلك ، على غاية الظرف ، وكبر النفس ، وعظم النعمة ، وأن أتطايب عليه ليدعوني ، فآخذ منه ما أنفقه مدّة ؛ فكتبت إليه :
ماذا ترى في جدي « 5 »
وبرمة « 6 » وبوارد « 7 »
وقهوة « 8 » ذات لون
يحكي خدود الخرائد
ومسمع « 9 » ليس يخطي
من نسل يحيى بن خالد « 10 »
إنّ المضيع لهذا
نزر المروءة بارد
فما شعرت إلا بمحفّة محبرة يحملها غلمانه إلى داري ، وأنا جالس على بابي .
فقلت له : لم جئت ؟ ومن دعاك ؟ .
قال : أنت .
قلت : إنّما قلت لك : ماذا ترى في هذا ؟ وعنيت في بيتك ، وما قلت
هامش
« 1 » ( 1 ) التصرف : الخدمة في الوظائف الحكومية .
« 2 » ( 2 ) النقرس : ورم يحدث في مفاصل القدم وإبهامها .
« 3 » ( 3 ) أزمن : أصيب بالزمانة ، أي تعطل حركة بعض الأعضاء .
« 4 » ( 4 ) المحفة : سرير يحمل عليه المريض أو المسافر .
« 5 » ( 5 ) الجدي : الذكر من أولاد الماعز .
« 6 » ( 6 ) البرمة : في الأصل القدر من الحجر ، وربما أطلقت على لون من الطعام يصنع في البرمة .
« 7 » ( 7 ) البوارد : الطعام الذي يؤكل باردا كالبزماورد ؛ كتاب الطبيخ للبغدادي 56 و 58 .
« 8 » ( 8 ) القهوة : الخمر .
« 9 » ( 9 ) المسمع : المغني .
« 10 » ( 10 ) يعني نفسه ، لأنه من نسل يحيى بن خالد البرمكي .