تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
بكبر الأيور ، فينفقون أموالهم عليهم ، ولا يصل الفقير والمتجمّل إليهم . ولقد بلغني آنفا ، وأنا بمصر ، أنّ رجلا من الفقراء ، اشتدّ عليه حكاكه ، فطلب من يأتيه ، فلم يقدر عليه ، فخرج إلى الموضع الفلاني - قرية ذكرها ، قريبة من مصر - فأقام بها [ 144 ] ، فكان إذا اجتاز به المجتازون ، استغوى منهم من يمتاز بهذا الحال ، فحمله على نفسه ، وكان يعيش بالمجتاز بعد المجتاز ، ويتمكَّن من إرضائه بما لا يمكن بمصر ، فعاش بذلك برهة ، حتى جاءه يوما بغّاء آخر ، فسكن معه في الموضع ، فكان إذا جاء الغلام الذي يصلح لهذه الحال ، تنافسا عليه ، فأفسد على الأوّل أمره ، فجاء إلى الثاني ، فقال له : بيني وبينك ، شيخنا ابن الأعجميّ الكاتب ، رئيس البغّائين فجذبه إلى مصر ، واحتكما إليه . فقال : إنّي كنت لمّا اشتدّ بي أمري الذي تعرفه ، ومنعني فقري من اتّخاذ الناكة بمصر ، عدلت إلى الموضع الفلانيّ ، فعملت كذا ، وقصّ عليه القصّة ، فجاء هذا ، وصنع ، وقصّ عليه القصّة ، وشرح له أمره ، فإن رأيت أن تحكم بيني وبينه ، فاحكم . فحكم بينهما ابن الأعجميّ ، ومنع الثاني من المقام في الناحية ، وقال : ليس لك أن تفسد عليه عمله ، وناحيته ، اطلب لنفسك موضعا آخر . فيمكن الناظريّ - أيّد اللَّه مولانا [ 145 ] الأمير سيف الدولة - أن يستشفي بثلاثة آلاف درهم ، أمرت له بها ، في بلد هذه عزّة الناكة فيه ، وكثرة البغّائين ؟ . هذا لو كان مقيما ، فكيف وقد أنعمت عليه بالمسير ، ويحتاج إلى بغال يركبها في الطريق بأجرة ، وديون عليه يقضيها ، ومؤن . قال : فضحك ضحكا شديدا ، من حكاية البغّائين ، وحكم ابن الأعجميّ بينهما ، وكان هذا من مشهوري كتّاب مصر ، فقال : اجعلوها خمسة آلاف درهم .
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة — صفحة 176 | القاضي التنوخي / عبود الشالجي