بتجربة مريرة من الآلام والقلق والانزعاج خلال فترة مرضه ، الا ان عائلته تعاني
أيضاً من حالته الاستثنائية . فقلق العائلة على معيلها ، وخوفها من فقدان المورد
المعاشي يساهم في اضطراب الوضع العائلي ، ويجعله مرتبطاً بصورة وثيقة بصحة المعيل
. وعلى صعيد آخر ، فان انتشار الأمراض ، يساهم أيضاً في اضطراب النظام الاجتماعي
وإضعاف قواه الانتاجية ؛ خصوصاً إذا ما انتشرت الأمراض المعدية في المجتمع
انتشاراً واسعاً كالملاريا والجدري والكوليرا ، فإنها تنزل ضربة ساحقة بالمؤسسة
الاقتصادية والانتاجية للدولة . وهذا يفسر لنا تجاهل الحكومات الاستعمارية في
معالجة الأمراض والأوبئة الفتاكة في البلدان المستعمرة معالجة جدية ؛ لأن هذه
الأمراض تفتح أبواباً لتدمير طاقة المجتمع الانتاجية واستهلاك مصادره وخيراته .
وإذا ضعف المجتمع على الصعيد الانتاجي تكاثر المستكبرون على اقتسام خيراته ونهبها
. وقد سعت بريطانيا عند احتلالها الهند في القرن التاسع عشر إلى استخدام عملية
نشر الأمراض كسلاح ضد العدو ، مستفيدةً من تجربتها التاريخية في واقعتين ؛ الأولى
: في القرن الرابع عشر ، والثانية : في بداية القرن العشرين الميلادي ؛ حيث اكتسح
الطاعون أوروبا في القرن الرابع عشر وسمي في وقته بالموت الأسود لإفنائه أكثر من
ثلث سكان تلك القارة وتدميره البنية الاقتصادية والسياسية والدينية لدول القرون
الوسطى الأوروبية . وفي سنة 1918 م قتلت الانفلونزا الأوروبية أكثر من عشرين
مليون فرد ( 1 ) .
هامش
( 1 ) ( روبرت غوتفراد ) . الموت الأسود : الكوارث الطبيعية والبشرية في أوروبا
القرون الوسطى . نيويورك : المطبعة الحرة ، 1983 م .