مثلما يسلي الانسان المؤمن وقت المحن بتذكيره بأن الموت انما هو انتقال لعالم
لا عناء فيه ولا شقاء : ( سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ) ( 1 ) ، ( يوم ترى
المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم ) ( 2 ) ، فإنه في الوقت ذاته
يعرف الفرد بنفسه مثلما يعرفه بخالقه العظيم . وأول اكتشاف يكتشفه الانسان عن
طريق القرآن ، هو ان للنفس الانسانية قابلية عظيمة على تنمية الخير أو انشاء الشر
، واستعداداً عظيماً لعمل الطيبات والحسنات أو لفعل السيئات والخبائث : ( ونفسٍ
وما سواها . فألهمها فجورها وتقواها ) ( 3 ) ؛ وما على المكلف الا سلوك الطريق الذي
رسمه له القرآن . فالقرآن اذن يمنح الانسان المؤمن بالتوحيد فهماً دقيقاً لمعنى
وجوده في الحياة ويعطيه فهماً لأسباب التعاون الاجتماعي ، ويقدم له قاعدة فكرية
تعلن ان وجوده في الأصل منبثق عن مبدأً الكمال المطلق ، وان حياته الدنيوية بما
فيها من اجتماع انساني ونظام يهذب علاقات الافراد انما هي إعداد لمرحلة أخرى
ينتفي فيها العناء والشقاء ويتحقق التلبس بالسعادة الأبدية .
إن هذا الكتاب مجرد محاولة ابتدائية لاكتشاف النظرية الاجتماعية الاسلامية عبر
محاكاة كتاب الله الخالد ، والانصات لتعاليمه الإلهية العظيمة في شؤون الاجتماع
الانساني وتنظيم شؤون الافراد ومصالحهم . وهذا البحث هو زبدة أبحاث كتابنا (
المجتمع الاسلامي ) والتي حالت بعض
هامش
( 1 ) الرعد : 24 .
( 2 ) الحديد : 12 .
( 3 ) الشمس : 7 - 8 .