ولا شك ان النظرية القرآنية في العقوبات تتفوق على النظريات الاجتماعي الغربية
المعاصرة - كنظرية ( الانتقال الانحرافي ) ل ( أدوين سوذرلاند ) ، ونظرية (
القهر الاجتماعي ) ل ( أميلي ديركهايم ) ، ونظرية ( الضبط الاجتماعي ) ل (
أميلي ديركيهايم ) أيضاً ، ونظرية ( الالصاق الاجتماعي ) ل ( هاورد بيكر ) -
باشتمالها على تفاصيل دقيقة في أوصاف الانحراف ، وصفات المنحرف ، والتمييز بين
حقوق الفرد وحقوق الله ( وهي مطابقة لحقوق الجماعة ) ، وتعويض الضحية أو متعلقيها
تعويضاً مالياً يسد حاجاتهم الأساسية التي حرموا من أشباعها بفقدان المعيل ،
ووجوب الرد على الغاصب وضمانه تلف المادة المغصوبة ، ووجوب إعادة المادة المسروقة
( الغرم ) حيث لا يسقط عنه بحال من الأحوال حتى مع إقامة الحد . ولا شك ان ( السجن
) - في النظرية القرآنية - لا يحمل عقوبة رادعة ، في حين ان النظريات الاجتماعية
الغربية جعلت ( السجن ) المصدر الرئيسي والساحة الحقيقية لمعالجة الانحراف . الا
ان فشل السجون بتقويم المنحرفين وضع النظريات الاجتماعية الغربية في موضع حرج
للغاية ، فحاولت استبدال عقوبة ( السجن ) بعقوبة ( تعليق الحكم ) بشرط أن يجد
المجرم عملاً يرتزق منه ، وأن لا يرتكب جريمة جديدة خلال فترة التعليق . وهو
تراجع واضح في نظام العقوبات الغربي .
وعلى صعيد السياسة التعليمية ، فان النظرية القرآنية تعتبر الحقيقة العلمية
اليقينية شيئاً قطعياً لا يمكن انكارها ؛ وما التعليم الا طريق يوصلنا إلى ادراك
تلك الحقيقة العلمية ، واستخدامها لتيسير حياتنا الفردية والاجتماعية . ولا شك ان
الأصل العقلائي في تعلم العلوم الاجتماعية والتجريبية والدينية هو بناء النظام
الاجتماعي وبناء الفرد بشكل يجعله مرتبطاً بالخالق سبحانه وتعالى أولاً ، وقادراً
على تأدية التكاليف الشرعية ثانياً ، وقادراً على اشباع حاجاته الأساسية ثالثاً .
ومع أن ( المدرسة العامة ) - التي تهتم بتعليم جميع الافراد دون استثناء - قد
نشأت مع ظهور الدولة الحديثة ، الا ان هناك الكثير من الأدلة الشرعية الاسلامية
التي أكدت على التعليم الجماعي لكل الافراد - منذ الصغر - في الدولة الاسلامية .
فالطفل يعتبر قاصراً وعلى وليه الاهتمام بمصلحته العلمية ومستقبله الاجتماعي ؛ بل إن
من مسؤوليات ولي أمر الأمة بناء الدولة الاسلامية ، وما التعليم الا تهيئة
مقدمات بناء الدولة من خلال بناء الافراد علمياً وثقافياً قبل البلوغ ؛ أضف إلى
ذلك ان العلم يقرب المكلف من خالقه عز وجل ، ويجعله من أكثر الافراد تطبيقاً
للأحكام الشرعية ، ومن أقوى الافراد فهماً لدور الدين في النظام الاجتماعي .
ولا شك ان المساواة العامة بين الافراد ، والعدالة الاجتماعية التي جاء بها
الاسلام ، تعتبران دعماً حقيقياً للمساواة في نظام التعليم العام .
وعلى صعيد السياسية الطبية ، فلما كانت الصحة الجسدية والنفسية للافراد مرتبطة
بالانتاج الاجتماعي ، فان تدخل الدولة لمعالجة الأمراض أصبح أمراً حتمياً
النظرية الإجتماعية في القرآن الكريم — صفحة 14
مساهمون: زهير الأعرجي
ص١٤