تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
تتعلق بي ، فوقعت كما قال ، ثم ذكر لي بعد ذلك قضية أخرى تتفق بي ، فاتفق بعضها كما قال ، وتأخر بعضها ، فاجتمعت به بعد ذلك في سنة ست وسبعمائة ، وسألته عن حاله وما كنت أعهده فيه من الكشف ، فأجاب : قد زال ما كنت تعهده منذ استقليت بهذه النّميلة - يشير إلى ابنته فاطمة - وكان قد رزقها ، وكانت من الذكاء على أمر عظيم لم يشاهد مثله من سرعة الحفظ ، وجودة الاتقان مع صغر السن . أحضرت إلى مجلس شيخنا شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدّمياطى [ 1 ] رحمه الله تعالى / لتسمع عليه جزءا من مسموعاته ، فامتنع أن يكتب اسمها إلا حضورا ، وقال : هذه صغيرة السن عن السماع ، فلقّنها معلمها سرى الدين أبو القاسم الزيدي الحديث الذي كانت تريد أن تسمعه ، فحفظته بسنده ، وأحضرها إلى الشيخ فجلست بين يديه ، وعمرها يوم ذاك أربع سنين أو نحوها ، فقالت مخاطبة الشيخ : حدثك - رضى الله عنك الشيخ فلان - وسردت السند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والحديث إلى آخره من حفظها فبهت الشيخ من ذلك ، واستعظمه منها ، وكساها فوطة حرير ، وكتب اسمها سماعا ، أخبرني بذلك معلمها سرى الدين المذكور ، وكان صدوقا رحمه الله ، ثم اشتغلت بعد ذلك وقرأت الكتاب العزيز بالسبع ، وأتقنت قراءته واشتغلت بالفقه والعربية والأصول وغير ذلك من العلوم ، وكتبت الخط الجيد المنسوب عدة أقلام ، فكانت تكتب الدّروج المشتملة على عدة أقلام كتابة جيدة ، وتكتب في آخرها : « كتبته فاطمة الغمارية » واشتغل والدها بأشغالها اشتغالا كثيرا ، فلذلك قال لي ما قال ، وأصيب بها ، وكان رحمه الله تعالى صعب الخلق شديد الحرج كبير الحدّة ما اجتمع به أحد من الأمراء والأعيان والأكابر وفارقه عن رضى ، وكان يسب من يجتمع به ويتركه أقبح سب عن غير تحاش ، ولعل ما حصل له من سوء الخلق نتج عن خشونة مأكله ، رحمه الله تعالى وسامحه . وتوفى في ليلة الأربعاء سابع شهر رجب القاضي كمال الدين أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي [ 2 ] بكر بن محمد بن محمود الحلبي البسطامي الحنفي
هامش
[ 1 ] ترجمته في الدرر الكامنة ( 1 / 417 ) ومولده سنة 613 ووفاته سنة 705 ه وله ترجمة في الشذرات ( 6 / 12 ) . [ 2 ] ترجمته في الدرر ( 2 / 326 ) وقد أورد اسمه : عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي بكر بن محمد بن محمود البسطامي ثم الحلبي .