فبلغت أبياته سعدا ، فقال : اللَّهم إن كان كاذبا وقال الَّذى قاله رياء وسمعة فاقطع عنّى لسانه ، فإنّه لواقف في الصّفّ يومئذ أتاه سهم غرب [ 1 ] ، فأصاب لسانه ، فما تكلَّم بكلمة حتّى لحق باللَّه تعالى . ونزل سعد إلى النّاس فاعتذر إليهم ، وأراهم ما به من القروح في فخذيه وأليتيه ، فعذره النّاس وعلموا حاله . ولمّا عجز عن الرّكوب استخلف خالد بن عرفطة على النّاس ، فاختلف عليه ، فأخذ نفرا ممّن شغب عليه فحبسهم في القصر ، منهم أبو محجن الثّقفىّ ، وقيل : بل كان قد حبس في الخمر .
وأعلم سعد النّاس أنّه قد استخلف خالدا ، وإنّما يأمرهم خالد بأمره ، فسمعوا وأطاعوا . وأرسل سعد نفرا من ذوى الرأي والنّجدة ، منهم المغبرة ، وحذيفة ، وعاصم ، وطليحة ، وقيس الأسدىّ ، وغالب ، وعمرو بن معدى كرب وأمثالهم ، ومن الشعراء : الشمّاخ ، والحطيئة وأوس بن معراء ، وعبدة بن الطبيب وغيرهم ، وأمرهم بتحريض النّاس على القتال ففعلوا ، وكان صفّ المشركين على شفير العتيق ، وصفّ المسلمين على حائط قديس ، والخندق من ورائهم ، وكان المسلمون والمشركون بين الخندق والعتيق ، وأمر سعد النّاس فقرؤا سورة الجهاد ، وهى الأنفال ، فلمّا فرغ القرّاء منها قال سعد : الزموا مواقفكم حتى تصلَّوا الظهر فإذا صلَّيتم فانّى مكبّر فكبّروا واستعدّوا ، فإذا سمعتم الثانية فكبّروا ولتستتمّ عدّتكم [ 2 ] ، ثم إذا كبّرت الثالثة فكبّروا ، ولينشّط فرسانكم النّاس ، فإذا كبّرت الرابعة فازحفوا
هامش
[ 1 ] سهم غرب : لا يدرى راميه .
[ 2 ] ابن الأثير : « والبسوا عدتكم » .