تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
بما أصبت من أموالهم ، فدفع ذلك إلى عمر . وقيل : إنّه قال : انظروا كم أنفقت منذ ولَّيت من بيت المال ؟ فاقضوه عنّى ، فوجدوا مبلغه ثمانية آلاف . وقيل : إنّه قال لعائشة رضى اللَّه عنها : أما إنّا منذ ولَّينا أمر المسلمين لم نأكل لهم دينارا ولا درهما ، ولكنّا قد أكلنا من جريش طعامهم ، ولبسنا من خشن ثيابهم ، وليس عندنا من فىء المسلمين إلَّا هذا العبد ، وهذا البعير ، وهذه القطيفة ، فإذا متّ فابعثى بالجميع إلى عمر ؛ فلما مات بعثته إليه ، فلما رآه بكى حتى سالت دموعه على الأرض ؛ وجعل يقول : رحم اللَّه أبا بكر ! لقد أتعب من بعده ، يكرّر ذلك ، وأمر برفعه . فقال له عبد الرحمن ابن عوف : سبحان اللَّه ! تسلب عيال أبى بكر عبدا ، وناضحا [ 1 ] ، وشقّ قطيفة ثمنها خمسة دراهم ! فلو أمرت بردّها عليهم . فقال : لا ، والذي بعث محمدا لا يكون هذا في ولايتي ، ولا خرج أبو بكر منه وأتقلَّده أنا . وقد قيل : إنّه رضى اللَّه عنه ، كان يأخذ من بيت المال في كلّ يوم ثلاثة دراهم أجرة ، وإنه قال لعائشة : انظرى يا بنيّة ما زاد في مال أبيك منذ ولى هذا الأمر فردّيه على المسلمين . فنظرت فإذا بجرد [ 2 ] قطيفة لا تساوى خمسة دراهم ، ومحشّة [ 3 ] ، فجاء الرّسول إلى عمر بذلك والنّاس حوله ، فبكى عمر ، وبكى النّاس ؛ وقال : رحمك اللَّه أبا بكر ! لقد كلَّفت من بعدك تعبا طويلا ! فقال الناس : اردده يا أمير المؤمنين إلى أهله .
هامش
[ 1 ] الناضح : البعير الذي يستقى عليه الماء . [ 2 ] جرد قطيفة ، قطيفة بالية . [ 3 ] المحشة : حديدة تحرك بها النار .