تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
عمياء في المدينة بالليل ، فيقوم بأمرها ، فكان إذا جاءها وجد غيره قد سبقه إليها ، ففعل ما أرادت ، فرصده عمر ، فإذا هو أبو بكر رضى اللَّه عنه ، كان يأتيها ويقضى أشغالها سرّا وهو خليفة ؛ فقال : أنت هو لعمري ! وكان منزل أبى بكر رضى اللَّه عنه بالسّنح [ 1 ] عند زوجته حبيبة بنت خارجة ، فأقام هناك ستة أشهر بعد ما بويع ، وكان يغدو على رجليه إلى المدينة ، وربّما ركب فرسه ، فيصلَّى بالنّاس ؛ فإذا صلَّى العشاء رجع إلى السّنح . وكان إذا غاب صلَّى بالنّاس عمر ، وكان يغدو كلّ يوم إلى السّوق فيبيع ويبتاع ، وكانت له قطعة غنم تروح عليه ، وربّما خرج هو بنفسه فيها ، وربّما رعيت له ، وكان يحلب للحىّ أغنامهم ، فلما بويع بالخلافة قالت جارية منهم : الآن لا يحلب لنا منائح [ 2 ] دارنا ، فسمعها ، فقال : بل لعمري لأحلبنّها لكم ، وإني لأرجو ألا يغيّرنى ما دخلت فيه عن خلق كنت عليه ، فكان يحلب لهم ، ثمّ تحوّل إلى المدينة بعد ستة أشهر من خلافته . وقال : لا تصلح أمور النّاس مع التجارة ، وما يصلح إلا التّفرغ لهم ؛ والنظر في شأنهم ، فترك التجارة ، وأنفق من مال المسلمين ، ما يصلحه ويصلح عياله يوما بيوم ، ويحجّ ويعتمر ؛ فكان الذي فرضوا له في كلّ سنة ستة آلاف درهم . فلما حضرته الوفاة قال : ردّوا ما عندنا من مال المسلمين ، فإنّى لا أصيب من هذا المال شيئا ، وإنّ أرضى الذي بكذا وكذا للمسلمين
هامش
[ 1 ] السنح ، إحدى محال المدينة . [ 2 ] المنيحة : الناقة تدر اللبن ؛ وجمعها منائح .