الحبرة « 1 » قد كففوها بالحرير ، وعليهم الدّيباج ظاهر مخوّص « 2 » بالذّهب ، فقال لهم رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « ألم تسلموا » ؟ قالوا : بلى ، قال : « فما بال هذا عليكم « 3 » » قال : فشقّوه وألقوه ، ثم قال له الأشعث بن قيس : يا رسول اللَّه ، نحن بنو آكل المرار ، وأنت ابن آكل المرار « 4 » . فتبسم رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، وقال :
« ناسبوا بهذا النّسب العبّاس بن عبد المطلب وربيعة بن الحارث » . قال : وكانا تاجرين ، و [ كانا « 5 » ] إذا شاعا في بعض العرب ، فسئلا ممن هما ، قالا : نحن بنو آكل المرار : يتعزّزان « 6 » بذلك . وآكل المرار هو الحارث بن عمرو بن حجر بن عمرو بن معاوية ، وقد تقدم خبره في وقائع العرب . قال : ثم قال لهم رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « لا ، نحن بنو النّضر بن كنانة ، لا نقفو « 7 » أمّنا ولا ننتفى من أبينا » فقال الأشعث بن قيس : يا معشر كندة ، واللَّه لا أسمع رجلا يقولها إلا ضربته ثمانين .
قال محمد بن سعد : فلما أرادوا الرجوع إلى بلادهم أجازهم بعشرة أواق ، وأعطى الأشعث ثنتى عشرة أوقية .
هامش
« 1 » الحبرة : ثوب يماني من قطن أو كتان مخطط ، يقال على الوصف وعلى الإضافة . وكف الثوب : خاط حاشيته .
« 2 » مخوص : مزين بصفائح من الذهب على قدر خوص النخيل .
« 3 » في شرح المواهب : « فما بال هذا الحرير في أعناقكم فشقوه » . فرواية شرح المواهب مشعرة بأن كلمة « فشقوه » أمر من رسول اللَّه لهم بخلاف ما هنا .
« 4 » هو جد امرئ القيس كما سيأتي ، سمى بذلك كناية عن كشركان به ، والمرار بضم الميم : شجر مر من أفضل العشب وأضخمه ، إذا أكلته الإبل قلصت مشافرها وبدت أسنانها فصار كناية لمن به كشر . وقيل : سمى بذلك لأن ابنته كانت في سبى ملك ، فقالت له : كأنك بأبى قد جاء كأنه جمل أكل المرار ؛ يعنى كاشرا عن أنيابه ، وقد ورد غير هذا في بعض الأخبار ، فليراجع شرح المواهب وغيره .
« 5 » الزيادة من ابن هشام .
« 6 » في الأصول : فيعزران بذلك والتصويب من ابن هشام . وقوله : « يتعززان » : أي يتقويان بذلك .
« 7 » لا نقفو : أي لا ننتسب إلى أمنا ونترك الانتساب إلى أبينا ، وذلك أنه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم له جدة من كندة وهى أم كلاب بن مرة .