تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 377

مساهمون:

ص٣٧٧
لم يفهم ذلك ، فقال : استفهموه ، فلما اختلفوا كفّ عنه إذ لم تكن عزمة ، ولما رأوه من صواب رأى عمر رضى اللَّه عنه . ثم هؤلاء قالوا : ويكون امتناع عمر إمّا إشفاقا على النبىّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم من تكليفه في تلك الحال ، وإما إملاء الكتاب ، وأن يدخل عليه مشقة من ذلك كما قال : إنّ النبىّ اشتدّ به الوجع . وقيل : خشي عمر أن يكتب أمورا يعجزون عنها فيحصلون « 1 » في الحرج بالمخالفة ، ورأى أن الأرفق بالأمة في تلك الأمور سعة الاجتهاد ، وحكم النّظر ، وطلب الصواب ، فيكون المصيب والمخطئ مأجورا ، وقد علم عمر تقرر الشرع وتأسيس الملَّة ، وأن اللَّه تعالى قال : * ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) * « 2 » وقوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « أوصيكم بكتاب اللَّه وعترتي » . وقول عمر : حسبنا كتاب اللَّه ، ردّ على من نازعه ، لا على أمر النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . وقد قيل : إن عمر خشي تطرّق المنافقين ، ومن في قلبه مرض لما كتب في ذلك الكتاب في الخلوة ، وأن يتقوّلوا في ذلك الأقاويل كادّعاء الرافضة الوصية وغير ذلك . وقيل : إنه كان من النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم على طريق المشورة والاختبار ، هل يتفقون على ذلك أم يختلفون ، فلما اختلفوا تركه . وقالت طائفة أخرى : إن معنى الحديث أن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم كان مجيبا في هذا الكتاب لما طلب منه لا أنه ابتداء بالأمر به ، بل اقتضاه منه بعض أصحابه ، فأجاب رغبتهم وكره ذلك غيرهم للعلل التي ذكرناها ، واستدل في مثل هذه القضية بقول العباس لعلىّ : انطلق بنا إلى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فإذا كان الأمر فينا علمناه ، وكراهة علىّ هذا وقوله : « واللَّه لا أفعل » الحديث . واستدل بقوله : « دعوني فإن الذي أنا فيه « 3 » خير » أي الذي أنا فيه خير من إرسال
هامش
« 1 » يحصلون : يقعون . « 2 » آية 3 سورة المائدة . « 3 » زيادة لفظ « خير » في الحديث من كتاب الشفا وليست بالأصول .
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 377 | النويري