تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
ولا عيّاب ولا مدّاح ، يتغافل عما لا يشتهى ولا يؤيس منه . وكان صلَّى اللَّه عليه وسلَّم يجيب من دعاه ، ويقبل الهدية ، ولو كانت كراعا « 1 » ، ويكافئ عليها ، قال أنس : خدمت رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عشر سنين فما قال لي أفّ قطَّ ، وما قال لشئ صنعته لم صنعته ، ولا لشئ تركته لم تركته ، ومن رواية أخرى عنه قال : خدمته نحوا من عشر سنين فو اللَّه ما صحبته في سفر ولا حضر لأخدمه إلا وكانت خدمته لي أكثر من خدمتي له ، وما قال لي أفّ قطَّ ، ولا قال لشئ فعلته لم فعلت كذا ، ولا لشئ لم أفعله ألَّا فعلت كذا ؟ . وكان صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في بعض أسفاره فأمر بإصلاح شاة فقال رجل : يا رسول اللَّه ، علىّ ذبحها ، وقال آخر : علىّ سلخها ، وقال آخر : علىّ طبخها ، فقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « وعلىّ جمع الحطب » قالوا : يا رسول اللَّه ، نحن نكفيك ، فقال : « علمت أنكم تكفونى ولكني أكره أن أتميز عليكم فإن اللَّه يكره من عبده أن يراه مميزا بين أصحابه » وقام فجمع الحطب . وعن عائشة رضى اللَّه عنها قالت : ما كان أحد أحسن خلقا من رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ما دعاه أحد من أصحابه ولا أهل بيته إلا قال : « لبيك » وكان يمازج أصحابه ويخالطهم ويحادثهم ويداعب صبيانهم ويجلسهم في حجره ، ويجيب دعوة الحرّ والعبد والأمة والمسكين ، ويعود المرضى في أقصى المدينة ، ويقبل عذر المعتذر ، قال أنس : ما التقم « 2 » أحد أذن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فينحّى رأسه حتى يكون الرجل هو الذي ينحّى رأسه ، وما أخذ أحد بيده فيرسل يده حتى يرسلها الآخذ ، ولم ير مقدّما ركبتيه بين يدي جليس له ، وكان يبدأ من لقيه بالسلام ، ويبدأ أصحابه بالمصافحة ، لم يرقط مادا رجليه بين أصحابه حتى يضيّق بهما على
هامش
« 1 » كراع كغراب : مستدق الساق العاري من اللحم . « 2 » معنى التقم هنا : جعل فمه يحاذى أذن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم .