صلى اللَّه عليه وسلَّم : « أنا وهو كنا إلى غير هذا منك أحوج يا عمر ، تأمرني بحسن القضاء وتأمره بحسن التقاضى » ثم قال : « لقد بقي من أجله ثلاث » وأمر عمر يقضيه ماله ويزيده عشرين صاعا لما روّعه ، فكان سبب إسلامه ؛ وذلك أنه كان يقول : ما بقي من علامات النبوّة شئ إلا وقد عرفتها في محمد إلا اثنتين ؟ لم أخبرهما ؛ يسبق حلمه جهله « 1 » ، ولا يزيده شدة الجهل إلا حلما ؛ فاختبرته بهذا فوجدته كما وصف . والحديث عن حلمه وصبره وعفوه كثير ؛ روى عن عائشة رضى اللَّه عنها قالت : ما رأيت رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم منتصرا من مظلمة ظلمها قطَّ ما لم تكن حرمة من محارم اللَّه ، وما ضرب بيده شيئا قط إلا أن مجاهد في سبيل اللَّه ، وما ضرب خادما ولا امرأة . وجىء إليه برجل فقيل : هذا أراد أن يقتلك ، فقال له رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « لن تراع « 2 » لن تراع ولو أردت ذلك لم تسلَّط علىّ » صلَّى اللَّه عليه وسلَّم .
وأما جوده وكرمه وسخاؤه وسماحته صلَّى اللَّه عليه وسلَّم
ومعانيها متقاربة ، وقد فرق بعضهم بينها بفروق فجعلوا الكرم : الإنفاق بطيب النفس فيما يعظم خطره ونفعه - وسموه أيضا حرّية « 3 » - وهو ضدّ النّذالة . والسّماحة : التّجافى عما يستحقه المرء عند غيره بطيب نفس ، وهو ضد الشّكاسة . والسّخاء : سهولة الإنفاق وتجنّب اكتساب ما لا يحمد ، وهو الجود ، وهو ضد التّقتير ؛ فكان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم من ذلك بالمحل الأرفع ، بهذا جاءت الأحاديث الصحيحة ، منها ما رويناه في صحيح البخارىّ عن ابن المنكدر
هامش
« 1 » الجهل هنا المراد به الغضب .
« 2 » لن تراع : أي لا فزع ولا خوف .
« 3 » الحرية من معانيها : من لم تتملكه الصفات الذميمة ، من الحرص والشره على المقتنيات الدنيوية ( مفردات الراغب 110 ) وفى كلا الأصلين « جرية » بالجيم ولعلها محرفة عما أثبتناه .