قال : فملئت رعبا ، وذلّ « 1 » الكلب فما يرفع رأسا ، وأتيت أهلي مغموما كاسف البال ، فبتّ أتململ على فراشي ، ثم خفتّ من آخر الليل فإذا نغمة « 2 » ، ففتحت عيني فرأيت الكلب الذي كان الأسود يقوده ، وإذا حياض يقول له : أحسب صاحبي يقظان ، قال : فتناومت ، ثم قصدني فتأمّلنى ورجع إليه ، فقال : قد نام ، فلا عين ولا سمع ، قال : أرأيت العفريتين ؟ وسمعت ما قالا ، قال حياض : نعم ، قال :
إنهما قد أسلما واتبعا محمدا ، وقد سلَّطا على شياطين الأوثان ، فما يتركان لوثن شيطانا ، وقد عذّبانى عذابا شديدا ، وأخذا علىّ موثقا ألَّا أقرب وثنى ، وأنا خارج إلى جزائر الهند ، فما رأيك لنفسك ؟ قال حياض : ما أمرنا إلا واحد ، وذهبا ، فقمت أنظر فلا عين ولا أثر ، فلما أصبحت أخبرت قومي بما رأيت وسمعت ، وقلت لهم :
تخيروا من ينطلق معي إلى هذا النبي من حلمائكم وخطبائكم ؛ فقالوا لي : أترغب عن دين آبائك ؟ فقلت لهم : إذا كرهتم شيئا كرهته ، فما أنا إلا واحد منكم ، ثم انسللت منهم فكسرت الصنم ، ثم قصدت المدينة فأتيتها ورسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم يخطب ، فجلست بإزاء منبره فعقّب خطبته بأن قال : « بإزاء منبرى رجل من سعد العشيرة ، قدم علينا راغبا في الإسلام ، ولم يرني ولم أره إلا ساعتي هذه ، ولم أكلَّمه ولم يكلَّمنى قطَّ ، وسيخبركم خبرا عجيبا » ونزل فصلَّى ، ثم قال : « ادن يا أخا سعد العشيرة » فدنوت فقال : « أخبرنا عن حياض وفرّاض وما رأيت وسمعت » قال :
فقمت على قدمىّ وقصصت القصّة ، والمسلمون يسمعون ، فسرّ النبىّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، ودعاني إلى الإسلام ، وتلا علىّ القرآن فأسلمت ، وقلت في ذلك :
تبعت رسول اللَّه إذ جاء بالهدى
وخلَّفت فرّاضا بدار هوان
شددت عليه شدّة فتركته
كأن لم يكن والدّهر ذو حدثان
هامش
« 1 » ذل : خضع ، وفى الأصول « دل » بالدال المهملة .
« 2 » النغمة : الكلام الخفي .