تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
ومنه ما روى عن مالك بن نفيع أنه قال : ندّ بعير لي ، فركبت نجيبة وطلبته ، حتى ظفرت به ، فأخذته وانكفأت راجعا إلى أهلي ، فأسريت ليلة حتى كدت أصبح ، فأنخت النّجيبة والجمل وعقلتهما ، واضطجعت في ذرى كثيب رمل ، فلما كحلنى الوسن سمعت هاتفا يقول : يا مالك ، يا مالك ، لو فحصت عن مبرك العود « 1 » البارك ، لسرّك ما هنالك ، قال : فثرت وأثرت البعير عن مبركه ، واحتفرت « 2 » ، وإذا صنم بصورة امرأة ، من صفاة صفراء كالورس ، مجلوة كالمرآة ، فآستخرجتها ومسحتها بثوبى ونصبتها ، فاستوت قائمة ، فما تمالكت أن خررت ساجدا لها ، ثم قمت فنحرت البعير لها ورششتها بدمه ، وسميتها غلاب ، ثم حملتها على النّجيبة وأتيت بها أهلي ، فحسدنى كثير من قومي عليها ، وسألونى نصبها لهم ليعبدوها معي ، فأبيت عليهم ، فانفردت بعبادتها ، وجعلت لها على نفسي كل يوم عتيرة « 3 » ، وكانت لي ثلَّة من الضأن فأتيت على آخرها ، وأصبحت يوما وليس لي ما أعتره ، وكرهت الإخلاف بنذرى ، فأتيتها فشكوت إليها ذلك ، فإذا هاتف من جوفها يقول : يا مال يا مال « 4 » ، لا تأس على المال ، سر إلى طوىّ « 5 » الأرقم ، فخذ الكلب الأسحم ، الوالغ في الدّم ، ثم صد به نعم « 6 » . قال مالك : فخرجت من فورى إلى طوىّ الأرقم ، فإذا كلب أسحم هائل المنظر ، قد وثب على قرهب - يعنى ثورا وحشيا - فصرعه وأنا أنظر إليه ، ثم بقر بطنه ، وجعل يلغ في دمه ، قال : فتهيبته ، ثم أقدمت عليه وهو مقبل على عقيرته لم يلتفت إلىّ ، فشددت في عنقه حبلا ، ثم جذبته فتبعنى ، فأتيت راحلتي فأثرتها ، وقدتها إلى
هامش
« 1 » العود : الجمل الكبير المسن المدرب . « 2 » احتفر : أخرج التراب من الأرض . « 3 » العتيرة : ما يذبح للأصنام . والثلة : جماعة الغنم . « 4 » يا مال : أي يا مالك ؛ فهو مرخم . « 5 » الطوى : البئر ، والأرقم ، أحد الأراقم : وهى أحياء من العرب ، ولعل المراد ناحية بئر الأرقم ، والأسحم : الشديد السواد . « 6 » سيأتي خبر نعامة اصطادها مالك بالكلب الأسحم .