في الجبل فبتنا ، وقد رضمنا « 1 » دوننا حجارة ، فلما أصبحنا غدا رجل من قريش يقود فرسا له ، فغشينا ونحن في الغار ، فقلت : إن رآنا صاح بنا فنؤخذ فنقتل ؛ قال : فخرجت إليه فضربته على ثدييه « 2 » بخنجر كنت قد أعددته لأبى سفيان ، فصاح صيحة أسمع أهل مكة ، ورجعت فدخلت مكاني ، وجاءه الناس يشتدّون وهو بآخر رمق ، فقالوا : من ضربك ؟ قال : عمرو بن أمية . ومات لوقته ، ولم يدلّ علينا ، فاحتملوه ، فقلت لصاحبي لما أمسينا : النجاء ؛ فخرجنا ليلا من مكة نريد المدينة ، فمررنا بالحرس وهم يحرسون جيفة خبيب ، فقال أحدهم : واللَّه ما رأيت كالليلة أشبه بمشية عمرو بن أمية ، لولا أنه بالمدينة لقلت هو عمرو ؛ قال : فلما حاذى عمرو الخشبة شدّ عليها واحتملها ، وخرجا شدّا ، وخرجوا وراءه ، حتى أتى جرفا بمهبط مسيل يأجج ، فرمى بالخشبة في الجرف ، فغيّبه اللَّه عنهم ، فلم يقدروا عليه . قال عمرو : وقلت لصاحبي : النجاء ، حتى تأتى بعيرك فتقعد عليه ، فإني سأشغل عنك القوم ؛ قال : ومضيت حتى خرجت على ضجنان « 3 » ، ثم أويت إلى جبل فدخلت كهفا ، فبينا أنا فيه إذ دخل علىّ شيخ من بنى الدّيل أعور ، في غنيمة له ؛ فقال :
من الرجل ؟ قلت : من بنى بكر ، فمن « 4 » أنت ؟ قال : من بنى بكر ؛ فقلت :
مرحبا ؛ فاضطجع ، ثم رفع عقيرته فقال :
ولست بمسلم ما دمت حيّا
ولست أدين دين المسلمينا
هامش
« 1 » رضم الحجارة : جعل بعضها على بعض .
« 2 » كذا في الأصل . وفى ابن هشام : « ثديه » .
« 3 » ضجنان : اسم جبل قرب مكّة .
« 4 » كذا في ج . وفى أ : « فقلت : من بكر . قال : فمن أنت من بنى بكر ؟ » .