تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
من كان قبلنا إلا من قد علمت ، فأصابه ما لم يخف عليك من المسخ ؛ قال : ما بات منكم رجل منذ ولدته أمّه ليلة [ واحدة « 1 » ] من الدهر حازما . ثم بعثوا إلى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أن ابعث إلينا أبا لبابة « 2 » بن عبد المنذر لنستشيره في أمرنا ؛ فأرسله إليهم ، فلما رأوه قام إليه الرجال ، وجهش « 3 » إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه ، فرقّ لهم وقالوا له : يا أبا لبابة ، أترى أن ننزل على حكم محمد ؟ قال : نعم . وأشار بيده إلى حلقه ، أي إنه الذبح ، قال أبو لبابة : فو اللَّه ما زلَّت « 4 » قدماي من مكانهما حتى عرفت أنى قد خنت اللَّه ورسوله . ثم انطلق أبو لبابة على وجهه ، ولم يأت رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده ، وقال : لا أبرح مكاني هذا حتى يتوب اللَّه علىّ . قال : فلما بلغ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم خبره وكان قد استبطأه قال : أما لو كان جاءني لأستغفرت له ، فأما إذ قد فعل ما فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب اللَّه عليه . فأنزل اللَّه تعالى فيه : * ( وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وآخَرَ سَيِّئاً عَسَى الله أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ ) * . قالت أم سلمة رضى اللَّه عنها : سمعت رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم من السّحر وهو يضحك ، فقلت : ممّ تضحك أضحك اللَّه سنك يا رسول اللَّه ؟ . قال : تيب على أبى لبابة . قالت : فقلت : أفلا أبّشره يا رسول اللَّه ؟ قال : بلى ، إن شئت . فقامت على باب حجرتها ، وذلك قبل أن يضرب عليهنّ الحجاب ، فقالت : يا أبا لبابة ، أبشر فقد تاب اللَّه عليك . قالت : فثار الناس إليه ليطلقوه فقال : لا واللَّه ، حتى يكون رسول اللَّه هو الذي يطلقنى بيده ؛ فلما مرّ عليه خارجا إلى صلاة الصبح أطلقه .
هامش
« 1 » ساقطة من أ . « 2 » اختار بنو قريظة أبا لبابة لأن ماله وولده وعياله فيهم . « 3 » جهش : فزع وأسرع . « 4 » كذا في الأصول . وفى ابن هشام والمواهب اللدنية والطبري : « ما زالت » .
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 189 | النويري