ما صنعت حتى أقررت على نفسك وفضحت أشباهك من الناس ! فإن متّ على هذه الحال لم يفلح أحد من نظرائك بعدك . قال : فكيف أصنع ؟ قال : تطيعنى في خطة واحدة حتى أنجيك مما أنت فيه ، وآخذ بأعينهم ، وأخرجك من مكانك .
قال : وما هي ؟ قال : تسجد لي . قال : أفعل . فسجد له ، فقال « 1 » : يا برصيصا ، هذا الذي أردت منك ، صارت عاقبة أمرك إلى أن كفرت بربك ، إني برئ منك ، إني أخاف اللَّه رب العالمين .
يقول اللَّه تعالى : * ( فَكانَ عاقِبَتَهُما ) * يعنى الشيطان وذلك الإنسان .
* ( أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ ) * .
قال ابن عباس رضى اللَّه عنهما : فضرب اللَّه هذا المثل ليهود بنى النضير والمنافقين من أهل المدينة ، وذلك أن اللَّه تعالى أمر نبيّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، أن يحلى بنى النضير من المدينة ، فدسّ المنافقون إليهم فقالوا : لا تجيبوا محمدا إلى ما دعاكم ولا تخرجوا من دياركم ، فإن قاتلكم كنا معكم ، وإن أخرجتم خرجنا معكم .
قال : فأطاعوهم ؛ فدرّبوا على حصونهم وتحصنوا في ديارهم رجاء نصر المنافقين حتى جاءهم النبىّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، فناصبوه الحرب ، يرجون نصر المنافقين ، فخذلوهم وتبرؤا منهم كما تبرأ الشيطان من برصيصا وخذله .
قوله تعالى : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ واتَّقُوا الله إِنَّ الله خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ) * قوله : * ( اتَّقُوا الله ) * أي في أداء فرائضه واجتناب معاصيه * ( ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ ) * يعنى يوم القيامة .
هامش
« 1 » في أ : « قال : برصيصا » .