تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
إني أعمل الحيلة في إفساد مصر وأضرّ وآذى أهلها ، فعملت أشياء وأرسلتها مع من ألقاها في النيل ، ففاض النيل على مزارعهم وغلَّاتهم ، وكثرت فيه التماسيح والضفادع ، وكثرت العلل في الناس ، وانبثّت فيهم الثعابين والعقارب ، فأحضر ماليق الكهنة والحكماء وقال : أخبروني عن هذه الحوادث التي حدثت في بلادنا ما هي ؟ ولم لم تشرحوها في طالع السنة ؟ فاجتمعوا في دار حكمتهم ونظروا حتى علموا أنه من ناحية الغرب ، وأنّ امرأة عملته وألقته في النيل ، فعلم أنه من فعل تلك الساحرة ، فقال لهم : اجهدوا أنفسكم في هلاكها فقد بلغت فيكم مرادها ، فاجتمعوا للهيكل الذي فيه صور الكواكب وأصنامها ، وسألوا الملك الحضور معهم فلم يمكنه الخلاف عليهم . فلما أمسى لبس مسحا وافترش رمادا واستقبل مصلاه وأقبل على الابتهال إلى اللَّه والتضرّع وقال : يا ربّ يا اللَّه ، أنت إله الآلهة ، وخالق الخلق ، ولا يكون شئ إلا بقضائك ، أسألك أن تكفيني أمر هؤلاء القوم ، وغلبه السهر فأغفى في مصلاه ، فرأى آتيا يقول له : قد رحم اللَّه تضرّعك ، وأجاب دعاءك ، وهو مهلك هؤلاء القوم ومدمّر عليهم ، وصارف عنك الماء المفسد والدوابّ المضرّة . فلمّا أصبح الكهنة غدوا عليه وسألوه حضور هيكلهم ، فقال لهم : قد كفيتكم أمر عدوّكم وأهلكتهم ، وأزلت الماء الفاسد والدوابّ المضرّة عنكم ، ولن تروا بعدها شيئا تكرهونه ، فنظر بعضهم إلى بعض كالمنكرين لقوله وقالوا : قد سررنا بما ذكره الملك ، وهم يضمرون الاستهزاء به والتكذيب له ، ومضوا إلى دار الحكمة فقال بعضهم : الرأي ألا تقولوا في هذا شيئا ، فإن كان حقّا وقفتم عليه ، وإن كان باطلا اتسع لكم اللفظ في لومه ، وسيتبين لكم أمره . فلما كان بعد يومين انكشف ذلك الماء الفاسد ، وهلكت تلك الدوابّ المضرّة ، فعلموا أن الذي أخبرهم به حقّ ؛ وأمر قائدا من قوّاده ورجالا من الكهنة أن يمضوا