تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
ويقال : إنه كان موحّدا على دين أجداده قبطيم ومصريم ، وكانت القبط تذمّه لذلك . وكان سبب إيمانه فيما حكى أنه رأى في منامه أن رجلين لهما أجنحة أتياه فآختطفاه وحملاه إلى الفلك ، فأوقفاه بين يدي شيخ أسود أبيض الرأس واللحية ، فقال : هل عرفتني ؟ فدخلته فزعة الحداثة ، وكانت سنه نيّفا وثلاثين سنة ، فقال له : ما أعرفك ! فقال : أنا قرويس ، يعنى زحل ، فقال : قد عرفتك ، أنت إلهي ، فقال : إنك وإن كنت تدعوني إلها فإني مربوب مثلك ، وإلهي الذي خلق السماوات والأرض وخلقني وخلقك ، فقال : وأين هو ؟ فقال : هو في العلوّ لا تراه العيون ، ولا تلحقه الأوهام ، وهو الذي جعلنا سببا لتدبير العالم الأسفل . قال له ماليق الملك : فكيف أعمل ؟ قال : تضمر في نفسك ربوبيّته علينا . وتخلص في وحدانيّته وتعرف بأزليّته . ثم إنه أمر الرجلين فأنزلاه ؛ فانتبه وهو مذعور ، فدعا رأس الكهنة فقصّ عليه رؤياه فقال : قد نهاك عن عبادة الأوثان فإنها لا تضرّ ولا تنفع ، فقال له : من أعبد ؟ قال : اللَّه الذي خلق السماوات والكواكب التي فيها والأرض ومن عليها . فكان الملك يحضر الهيكل فإذا سجد انحرف عن الصنم وأضمر السجود لخالق السماوات والأرض دون غيره ، ثم أخذ في الغزو والغيبة عن أهل مصر وجال في البلدان . قال : وقال بعض أهل مصر : إنّ اللَّه تعالى أيّده بملك من الملائكة يعضّده ويرشده ، وربما أتاه في نومه ، فأمره أن يأمر الناس باتخاذ كل فاره من الخيل ، واتخاذ السلاح وما يصلح للأسفار ، وإعداد الزاد ، واتخذ في بحر الغرب مائتي سفينة ، وخرج في جيش عظيم في البرّ والبحر ، فلقيه جموع البربر في جموع لا تحصى فهزمهم واستأصل أكثرهم ، وبلغ إلى إفريقية وسار منها ، وكان لا يمرّ بأمة إلَّا أبادها إلى أن عدّى من ناحية الأندلس يريد الإفرنجة ، وكان بها ملك عظيم يقال له : أرقيوس ، فأقام يحاربه شهرا ثم طلب صلحه وأهدى له هدايا كثيرة فسار عنه ، ودوّخ الأمم المتّصلة