تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
وأموالها ، ويدفع عنه أذى طلَّسماتها حتى يبلغ جميع ما يريده ويعرّفه مواضع الكنوز . فلمّا اتصل بصا الملك أنّ صاحب الإفرنجة يتجهّز إليه ، عمد إلى جبل بين البحر المالح وشرقى النيل فأصعد إليه أكثر كنوزه وما في خزائنه ، وبنى عليها قبابا وصفّحها بالرّصاص ، وأمر ففتحوا جوانب الجبل إلى منتهى خمسين ذراعا ، وجعلوا في انتهاء المنحوت منه شبه الطرر البارزة خارجة من النحت بقدر مائة ذراع وهو بين جبال وعرة ، فحصّن أمواله هناك . وتجهّز إليه صاحب الإفرنجة في ألف مركب ، فكان لا يمرّ بشئ من أعلام مصر ومناراتها وأصنامها إلَّا هدمه وكسره بمعونة الكاهن له . حتى أتى الإسكندرية الأولى فعاث فيها وهدم كثيرا من معالمها إلى أن دخل النيل من ناحية رشيد وصعد إلى منف فحاربه أهل النواحي ، وجعل ينهب ما مرّ به ويقتل من قدر عليه إلى أن طلب المدائن الداخلة ليأخذ كنوزها فوجدها ممتنعة بالطلَّسمات الشداد والمياه العميقة والخنادق الشدّاخات ، فأقام عليها أياما كثيرة يعالج أن يصل إليها ، فلمّا لم يمكنه ذلك قتل الكاهن ، وهلك جماعة من أصحابه ، واجتمع أهل النواحي على مراكبه وأصحابه فقتلوا منهم خلقا وأحرقوا بعض المراكب . ولما تيقّن أهل مصر تلف الكاهن الذي كان معه أرسلوا إليه سحرهم وتهاويلهم ، وأتت مع ذلك رياح غرقت كثيرا من مراكبه ، وكانّ جل مرامه أن ينجو بنفسه فما عاد إلى الإفرنجة إلا وقيذا « 1 » بجراحات أصابته ، ورجع الناس إلى منازلهم وقراهم ، ورجع صا إلى منف فأقام بها وترك ما كنزه على حاله . قال : ولم يزل بعد ذلك يغزو بلاد الروم وأهل الجزائر ويخرّبها فهابته الملوك ، وتتّبع الكهنة فقتل منهم خلقا ، وأقام سبعا وستين سنة ، وكانت سنة مائة وسبعين سنة وهلك ، فدفن بمنف في ناووس عمله وسط المدينة من تحت الأرض ، وجعل
هامش
« 1 » الوقيذ : الشديد المرض المشرف .