تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
وقال : وحكى قوم من « 1 » التّنّاء في ضياع الغرب : أنّ عاملا من عمّالهم عنف بهم فهربوا ودخلوا في صحراء الغرب وحملوا معهم زادا إلى أن يصلح أمرهم ويرجعوا إلى بلادهم ، وكانوا على يوم وبعض آخر قد لحجوا « 2 » في سفح الجبل ، فوجدوا عيرا أهليّا قد خرج من بعض شعابه ، فتبعه نفر منهم ، فأخرجهم إلى مساكن وأشجار ونخل ومياه تطَّرد « 3 » وقوم يسكنون هناك ويزرعون ، فخاطبوهم وعجبوا منهم وسألوهم عن حالهم فعرّفوهم أنهم منذ كانوا يسكنون تلك الناحية ويتناسلون ويزرعون ولا يطالبهم أحد بخراج ولا يؤذيهم ، وأنهم لم يدخلوا إلى ضياع الغرب قطَّ ، وقالوا لهم انتقلوا إلينا ؛ فخرج القوم بعد أن صلحت أمورهم واجتمعوا على الرجوع إلى ذلك الموضع والسكنى فيه بأهليهم ومواشيهم ، فخرجوا يطلبون الطريق مدّة فما عرفوا الطريق ولا تأتّى لهم الوصول إليه بعد ذلك فأسفوا على ما فاتهم منه . وحكى أيضا عن آخرين ضلَّوا الطريق في الغرب ، فوقفوا على مدينة عامرة ، كثيرة الناس والمواشي والنخيل والشجر ، فأضافوهم وأكلوا عندهم وشربوا ، وباتوا في طاحونة يعمل فيها الخبز « 4 » ، فسكروا من الشراب وناموا ، فلم ينتبهوا إلَّا عند طلوع الشمس ، فوجدوا أنفسهم في مدينة كبيرة خراب ليس فيها أحد ، فارتاعوا لذلك وخرجوا على وجوههم كالهاربين ، وساروا يومهم على غير سمت حتى قرب المساء ، فظهرت لهم مدينة أخرى عظيمة أكبر من الأولى وأعمر ، وأكثر أهلا ودوابّ ومواشى وشجرا ونخلا ، فأنسوا بهم وأخبروهم بخبر المدينة ، فجعلوا يعجبون منهم ويضحكون ؛ وإذا لبعض أهل المدينة وليمة فانطلقوا بهم معهم ، فأكلوا وشربوا
هامش
« 1 » التناء : المقيمون ؛ يقال : تنأ بالبلد يتنو تنوءا أقام به وقطنه . ويقال : هو من بناء تلك الكورة ، أي أصله منها . « 2 » لحج بالمكان : لزمه . « 3 » تطرد : تجرى . « 4 » كذا في نسخة بن وفى نسخة ا : « الخمر » .
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 90 | النويري