الباب الخامس من القسم الرابع من الفنّ الخامس
في أيام العرب ووقائعها في الجاهليّة ، وأنها لمن مآثرها السنيّة ، وإذا تأمّلها المتأمّل دلَّته على مكارم أخلاقهم وكرم نجارهم ، وحقّقت عنده أنهم ما أحجموا عن طلب أوتارهم ، وعلم مكافأتهم للأقران ، وسماحتهم بالنفوس والأبدان ، وإقدامهم على الموت ، ومبادرتهم عند الإمكان خشية الفوت .
وقيل لبعض الصحابة رضى اللَّه عنهم : ما كنتم تتحدّثون به إذا خلوتم في مجالسكم ؟ فقال : نتناشد الشعر ونتحدث بأخبار جاهليّتنا .
وقال بعضهم : وددت أنّ لنا مع إسلامنا كرم أخلاق آبائنا في الجاهليّة .
ألا ترى أنّ عنترة الفوارس جاهلىّ لا دين له ، والحسن بن هانئ إسلامىّ ، فمنع عنترة كرمه ما لم يمنع ابن هانئ دينه ، فإنّ عنترة يقول :
وأغضّ طرفي إن بدت لي جارتي
حتى يوارى جارتي مأواها
وقال أبو نواس الحسن بن هانئ :
كأنّ الشباب مطيّة الجهل
ومحسّن الضّحكات والهزل
والباعثى والناس قد هجعوا « 1 »
حتى أبيت خليفة البعل
وسأذكر من وقائعهم ما يقوّى الجنان ، ويبعث الجبان .
هامش
« 1 » في ديوانه : « رقدوا » بدل هجعوا .