تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 336

مساهمون:

ص٣٣٦
فقالت طريفة : وإنّ من علامة ما ذكرت لك أن تجلس فتأمر بزجاجة بين يديك ؛ فإنّ الريح تملأها بتراب البطحاء من سهل الوادي ورمله ، وقد علمت أنّ الجنان مظلَّلة ما يدخلها شمس ولا ريح . فأمر عمرو بزجاجة فوضعت بين يديه فلم تمكث إلَّا قليلا حتى امتلأت من تراب البطحاء . فقال لها عمرو : متى يكون هلاك السدّ ؟ فقالت : فيما بينك وبين سبع سنين . فقال : ففي أيّها يكون ؟ فقالت : لا يعلم ذلك إلَّا اللَّه ، ولو علمه أحد لعلمته ، ولا تأتى علىّ ليلة فيما بيني وبين السبع سنين إلَّا ظنت أنّ هلاكنا في غدها أو مسائها . ثم رأى عمرو بعد ذلك في منامه سيل العرم وقيل له : آية ذلك أن ترى الحصباء « 1 » قد ظهرت في سعف النخل وكربه « 2 » ، فنظر إليها فوجد الحصباء قد ظهرت فيها فعلم أنّ ذلك واقع ، وأنّ بلادهم ستخرب لا محالة ؛ فكتم ذلك وأخفاه وأجمع على بيع كلّ شئ له بأرض مأرب ويخرج منها هو وولده ، ثم خشي أن ينكر الناس حاله فصنع وليمة جمع الناس لها وقرّر مع أحد أولاده أنه يأمره بأمر في ملأ القوم فيخالفه فإذا لطمه عمرو فيلطمه الآخر ، ففعل ذلك . فلمّا لطمه ابنه - وكان اسمه مالكا - صاح عمرو : واذلَّاه ! يوم فخر عمرو يهينه صبىّ ويضرب وجهه ! وحلف ليقتلَّنه ، فسأله القوم ألَّا يفعل ، فحلف ألَّا يقيم بموضع صنع به فيه هذا ، وليبيعنّ أمواله حتى لا يورث بعده . فقال الناس بعضهم لبعض : اغتنموا غضبة عمرو واشتروا منه قبل أن يرضى ، فابتاع الناس منه جميع ما هو له بأرض مأرب ، وفشا بعض حديثه فباع أناس من الأزد ، فلما كثر البيع استنكر الناس ذلك فأمسكوا عن الشراء ، فلمّا اجتمعت لعمرو أمواله أخبر الناس بشأن سيل العرم وخرج من اليمن ، وخرج
هامش
« 1 » المراد بالحصباء هنا أشبه بالبثور التي تخرج بالبدن وتظهر في الجلد . « 2 » الكرب ( محركة ) : أصول السعف الغلاظ العراض التي تقطع معها .