تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 270

مساهمون:

ص٢٧٠
قال : وقد كان عيسى بن مريم عليه السلام قبل أن يرفعه اللَّه يحدّث عنهم وعن إيمانهم وبصيرتهم ، وكيف تفكَّروا في عظمة إلهم ، وكيف ألقى اللَّه عليهم السّبات في كهفهم ، وكيف أخفى مكانهم عن الناس ، ولا ينبغي لأحد أن يهتدى إليهم ولا يعرف مكانهم ، وكان يخبر أنّ اللَّه سيردّ إليهم أرواحهم ويدلّ على كهفهم ليكونوا عبرة لمن خلفهم إن أراد أن يعتبر بهم . قال : فردّ اللَّه إليهم أرواحهم بعد أن لبثوا في كهفهم العدّة التي ذكرها اللَّه عزّ وجلّ في القرآن ولزمهم كلبهم ، فلبث سنيهم كلَّها ، كما أخبر اللَّه تعالى : * ( ( وكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْه بِالْوَصِيدِ ) ) * . والوصيد : فناء الكهف الذي فيه موضع الباب ، وكان الكلب من كلاب صيدهم ولم يطعم ولم يشرب ليجعله اللَّه آية من آياتهم . قال : فلمّا ردّ اللَّه عليهم أرواحهم * ( ( قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ) ) * إلى قوله : * ( ( ولَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً ) ) * وهم حينئذ يظنّون أنّ قومهم أحياء ، وأنهم على ما يعهدون من حالهم وشركهم وعتوّ ملكهم ، فانطلق رجل منهم يقال له تمليخا ، وكان أشدّهم وأنجدهم ، فتوجّه حتى إذا خالط ربض المدينة أنكره وأنكر ما وجد به من الناس والدوابّ والبنيان وغير ذلك ، ووجد الناس على حال لم يكن يعهدها وسنّة لم يكن يعرفها ، ووجدهم يبتاعون بورق لا يشبه الورق الذي معه ، فتحيّر وأنكر وأقبل وأدبر ، وأبطأ على أصحابه حتى خافوا عليه ، وظنّوا أنه فطن به وقدر عليه . فلمّا طال عليه ذلك دخل المدينة من ناحية أخرى من نواحيها خفية فوجد حال أهل المدينة على حال أهل الرّبض في كلّ شئ ، فلمّا شكّ وارتاب والتبس عليه رأيه عمد إلى مشيخة من أهل المدينة توسّم فيه الخير ليتجسّس ويسمع قولهم ، فوجد معهم الإنجيل يقرؤنه ، فسمع ما فيه من توحيد اللَّه وعظمته وعذابه وسنّته وشرائعه وحلاله وحرامه ، فعرف ذلك وأذعن اليه وأنصت يسمع حتى إذا