تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 268

مساهمون:

ص٢٦٨
قالوا : قد قلت قولا عظيما ووصفت أمرا عجيبا ، وما نحسبك إلَّا قد أصبت فيه الرأي والنظر ، وقد صدّقناك وتابعناك ورأينا رأيك وواقع قلوبنا منه ومن معرفته مثل الذي عرفت وواقع قلبك ، وإن كنّا لنرى مثل الذي رأيت من أعاجيب هذا الخلق وعظمة هذا الخالق ، وإن كان ليكثر أن يخطر على قلوبنا منه مثل ما خطر على قلبك ، ولكنّا لم نشرح منه ما شرحت ولم نصف منه ما وصفت ، ولم نعمل الرأي والنظر في معرفته مثل ما أعملت وعرفت ، ولكنّ اللَّه أراد هداك وتفضيلك وإكرامك بما سبقت إليه من هذا القول وهذا العلم وهذه المعرفة ، ولكن حدّثنا عمّا نسألك عنه ، وإنما نظرنا فيه بعد ما سمعنا قولك ؛ هل ينبغي لهذا الربّ الذي وصفته بما وصفته من العظمة أن يكون له شريك في ملكه ، أو حاجة إلى شئ من خلقه ، أو هل يغلبه شئ يستعين عليه بغيره ؟ قال لهم : لو كان له شريك في شئ من أمره لضبط ما ضبط ، ولو كانت به حاجة إلى أحد من خلقه لكان مثلهم ، ولو كان يستعين على شئ يغلبه بغيره إذا ما بلغت قدرته ما بلغت ، ولا أحاطت بما أحاطت به ، ولا وسع ما اتّسع له من أمر خلقه ، وتدبير ما خلق ورزق وأمات وأحيا . قالوا له : صدقت وعرفنا ما تقول وثبت في قلوبنا ، ولكن حدّثنا ما بال خلقه يشركون به وهم يعرفونه حقّ معرفته . قال : لأنه خلق فيهم الأهواء وطبع فيهم الشهوات ، وجبلهم على الضعف ، وثبّت معهم الشيطان ، فمن قبل هذا عدلوا به وهم يعرفون أنّ الذين يدعون من دونه لا يحيونهم ولا يميتونهم ، ولا يخلقونهم ولا يرزقونهم ، ولا يضروّنهم ولا ينفعونهم ، إذا مسّهم الضّرّ فإيّاه يدعون وإليه يجأرون ؛ فعند ذلك اجتمع رأيهم على أن يأووا إلى الكهف ، وأن يعتزلوا قومهم