ذلك يكفّون عنهم أذاهم ، ويعرفون أنهم مفزع الروم إن اختلفوا ومعوّلهم عليهم ، فلم تزل تلك حالهم فيما بينهم وبين ملوكهم وقومهم حتى أراد اللَّه تعالى بهم ما أراد من هداهم والإيمان الذي نوّره اللَّه في قلوبهم .
قال قائل منهم : إني قد رأيت رأيا وقع في قلبي وأمرا ثبت فيه ، فلست أبصر غيره ، وليس يخرجه من قلبي شئ ، اسمعوا أعرض عليكم ، إنّى فكَّرت في خلق السماوات والأرض ، واختلاف الليل والنهار ، والشمس والقمر ، والنجوم والسحاب والمطر ، والأحياء والأموات ، والنبات ، والصّغار والكبار ، والبقاء والفناء ، والشدّة والرخاء ، وتقلَّب الدنيا بأهلها ، والأطباق التي تنصرف عليها الخلق طبقا بعد طبق ، وقوما عن قوم : من موت وحياة ، ونقص وزيادة ، وخفض ورفع ، وغنى وفقر ، وطول عمر ونقص آخر ، وموت صغير وهرم كبير ، وأشباه لذلك كثيرة ، وهى أكثر من أن تعدّ وتوصف أو تحصى ؛ فلمّا نظرت فيها وأعملت الرأي والنظر أجمع رأيي على أنّ لها خالقا بديعا ابتدعها ؛ وربّا يملكها ويدبّرها ، ويخلقها ويرزقها ، ويغنيها ويفقرها ، ويرفعها ويخفضها ، ويحييها ويميتها ويفنيها ، تتقلَّب في قبضته وتعيش برزقه ؛ فلمّا تمّ لي الرأي نظرت في عظمة هذا الربّ الذي ابتدع هذا الخلق وضبطه ، ودبّره وأحكم أمره ، فإذا قدرته تأتى من وراء ذلك كلَّه ، ليس من هذا الخلق شئ يفوتها ولا يخرج منها ، وإذا هي محيطة بكلّ شئ ومن وراء كلّ شئ ، ثم نظرت في عظمة الربّ هل أصفها كما وصفتها القدرة ، وهل أعلم كنهها ؟ فتحيّرت فيها ، وعجز عنها الحلم والعلم ، وحسر عنها العقل والنظر ، وما بقي مما لم أذكره لكم معرفة القلب ولا نصفه إلَّا أنه قد ألهم بمعرفته وأسرّ بها أكثر وأعظم وأعجب مما وصفت وشرحت لكم ، فماذا تقولون ، وماذا تعرفون ، وماذا تفعلون ؟
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 267
مساهمون: النويري
ص٢٦٧