تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
أبرويز ، فكاتبه بكتابين ، يأمره في أحدهما أن يستخلف على جيشه من يثق به ، ويقبل إليه ، ويأمره في الكتاب الآخر أن يقيم بمكانه ، وأنه لمّا تدبّر أمره ، وأجال الرأي لم ير من يسدّ مسدّه ، ولم يأمن الخلل إن غاب عن موضعه ، وأرسل بالكتابين رسولا من ثقاته وقال له : أعطه الكتاب الأوّل بالأمر بالقدوم ، فإن أجاب إلى ذلك فهو ما أردت ، وإن كره وتثاقل عن الطاعة فاسكت عليه أياما وأعلمه أن الكتاب الثاني ورد عليك وأوصله اليه ليقيم بموضعه . فخرج رسول كسرى حتى أتى صاحب الجيش ببلاد الشام فأوصل اليه الكتاب ، فلمّا قرأه قال : إمّا أن يكون كسرى قد تغيّر لي وكره موضعي ، أو يكون قد اختلط عقله بصرف مثلي وأنا في نحر العدوّ ؛ فدعا أصحابه وقرأ عليهم الكتاب فأنكروه . فلما كان بعد ثلاثة أيام أوصل اليه الكتاب الثاني بالمقام وأوهمه أنّ رسولا ورد به . فلمّا قرأه قال : هذا تخليط ولم يقع منه موقعا ، ودسّ إلى ملك الروم من باطنه في إيقاع الصلح بينهما على أن يخلى الطريق لملك الروم حتى يدخل إلى بلاد العراق على غرّة من كسرى ، وعلى أنّ لملك الروم ما يغلب عليه من دون العراق ، وللفارسىّ ما وراء ذلك من بلاد فارس ، فأجابه ملك الروم إلى ذلك وتنحّى الفارسىّ عنه في ناحية من الجزيرة ، وأخذ أفواه الطريق ، فلم يعلم كسرى حتى ورد خبر ملك الروم من ناحية قرقيسيا ، « 1 » وكسرى على غير استعداد ، وجنده متفرّقون في أعماله . فلما أتاه الخبر وثب عن سريره وقال : هذا وقت حيلة ومكيدة ، لا وقت شدّة ، وجعل ينكث الأرض مليّا ، ثم دعا برقّ فكتب فيه كتابا صغيرا بخطَّ دقيق إلى صاحبه بالجزيرة يقول فيه : قد علمت ما كنت أمرتك به من مواصلة صاحب الروم وأطماعهم في نفسك ، وتخلية الطريق حتى إذا تولج بلادنا أخذته من أمامه ، وأخذته ومن ندبناه معك من خلفه فيكون في ذلك
هامش
« 1 » اقرقيسيا : مدينة بالجزيرة مصب نهر الحابور بالفرات .