تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
قال : وكتب الىّ خاقان الأكبر يعتذر الىّ من بعض غدراته ويسأل المراجعة والتجاوز ؛ وذكر في كتابه ورسالته أن الذي حمله على عداوتى وغزو أرضى من لم ينظر له ، وناشدنى اللَّه أن أتجاوز عنه ، وتوثّق لي بما أطمئنّ اليه . وذكر أن قيصر قد أرسل اليه وزعم أنه يستأذننى في قبول رسله ، وأنه لا يعمل في قبول رسل أحد إلا بما آمره ، ولا يجاوز أمرى ، ولا يرغب في الأموال ولا في المودّات لأحد إلا برضائي ، وكان دسيس « 1 » لي في الترك يكاتبنى بندم خاقان وندم أصحابه على غدره وعداوته إياي ، فأجبته : إني لعمري ما أبالي إن طبيعة نفسك وغريزتك غدرت بنا أم أطعت غيرك في ذلك ، وما ذنبك في طاعة من أطعت في ذلك إلا كذبتك فيما فعلته برأي نفسك ، وإني قد استحققت أشد العقوبة . وكتبت أنى لا أظن شيئا من الوثيقة تفي لكم إلا وقد كنت ضيعته ، ولا أظن شيئا وثقت لنا به من قبل اليوم ثم غدرتم ، فكيف نطمئنّ إليك ونثق بقولك ؟ ولسنا نأمنك على مثل ما فعلت من الغدر ونقض العهد والكذب في اليمين . وذكرت أن رسل قيصر عندك ، ووقفنا على استنئذانك إيانا فيهم ؛ وإني لست أنهاك عن مودّة أحد . وكرهت أن يرى أنى أتخوّف مصادقته وأهاب ذلك منه . وأحببت أن أعلمه أنى لا أبالي بشئ مما جرى بينهما . ثم سرحت لمرمة المدائن والحصون التي بخراسان وجمع الأطعمة والأعلاف إليها ما يحتاج اليه الجند ، وأمرت أن يكونوا على استعداد وحذر ، ولا يكون من غفلتهم ما كان في المرة الأولى وهم على حال الصلح . قال : وكان شكري للَّه تعالى لما وهب لي وأعطاني متصلا بنعمه الأول التي وهبها لي في أوّل خلقه إياي ؛ فإنما الشكر والنّعم عدلا كفّتى الميزان أيهما رجح بصاحبه احتاج الأخفّ إلى أن يزاد فيه حتى يعادل صاحبه ، فإذا كانت النعم
هامش
« 1 » الدسيس : من تدسه ليأتيك بالأخبار ( الحاسوس ) .
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 204 | النويري