تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
فأمرت بالكتب إلى قاضى كورة كورة أن يجمع أهل الكورة بغير علم عاملهم وأولى أمرهم فيسألهم عن مظالمهم وما استخرج منهم ، ويفحص عن ذلك بمجهود رأيه ويبالغ فيه ، ويكتب حال رجل رجل منهم ويختم عليه بخاتمه وخاتم الرضا من أهل تلك الكورة ، ويبعث به الىّ ويسرّح ممن يجتمع رأى أهل الكورة عليه بالرضا نفرا ، وإن أحبّوا أن يكون فيمن يشخص بعض سفلتهم أيضا فعل ذلك . فلما حضروا جلست للناس وأذنت لهم بمشهد من عظماء أرضنا وملوكهم وقضاتهم وأحرارهم وأشرافهم ، ونظرت في تلك الكتب والمظالم ، فأيّة مظلمة كانت من العمال ومن وكلائنا ، أو من وكلاء أولادنا ونسائنا وأهل بيتنا حططناها عنهم بغير بينة ؛ لعلمنا بضعف أهل الخراج منهم ، وظلم أهل القوّة من السلطان لهم ، وأيّة مظلمة كانت لبعضهم من بعض ووضحت لنا ، أمرت بإنصافهم قبل البراح ، وما أشكل وأوجب الفحص عنه شهود البلد وقاضيها سرّحت معه أمينا من الكتاب ، وأمينا من فقهاء ديننا وأمينا ممن وثقنا به من خدمنا وحاشيتنا ، فأحكمت ذلك إحكاما وثيقا . ولم يجعل اللَّه لذوي قرابتنا ورحمنا وخدمنا وحاشيتنا منزلة عندنا دون الحقّ والعدل ؛ فإن من شأن قرابة الملك وحاشيته أن يستطيلوا بعزّته وقوّته ، فإذا أهمل السلطان أمرهم هلك من جاوره إلَّا أن يكون فيهم متأدّب بأدب ملكه ، محافظ على دينه ، شفيق على رعيّته ، وأولئك قليل ؛ فدعانا الذي اطلعنا عليه من ظلم أولئك ألا نطلب البيّنة عليهم فيما ادّعى قبلهم . ولم نزل نردّ المظالم ، ولم نرد أيضا ظلم أحد ممن كان عزيزا بنا ، منيعا بمكانه ومنزلته عندنا ، فإن الحقّ واسع للضعفاء والأقوياء والفقراء والأغنياء ؛ ولكنا لما أشكلت الأمور في ذلك علينا كان الحمل على خواصّنا وخدمنا أحبّ الينا من أن نحمل على ضعفاء الناس ومساكينهم ، وأهل الفاقة والحاجة منهم . وعلمنا أن أولئك الضعفاء لا يقدرون على ظلم من حولنا . وعلمنا مع ذلك
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 201 | النويري