تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
قبلي من عرفت صحبته وأمانته ونسكه وعلمه ، ومن جرّبت ذلك منه إلى كل مصر ومدينة حيث أولئك العمال والغلمان وأهل الأرض ليجمعوا بينهم وبين أهل أراضيهم وبين وضيعهم وشريفهم ، وأن يرفع الأمر كلَّه على حقّه وصدقه ، فما نفذ لهم فيه أمر أو صحّ فيه القضاء فرضى به أهله فرغوا منه هنالك ، وما أشكل عليهم رفعوه الىّ . وبلغ اهتمامى بتفقّد ذلك ما لولا الذي أدارى من الأعداء والثغور لباشرت أمر الخراج والرعية بنفسي قرية قرية حتى أتعهدها وأكلَّم رجلا رجلا من أهل مملكتي ؛ غير أنى تخوّفت أن يضيع بذلك السبب أمر هو أعظم منه ، الأمر الذي لا يغنى فيه أحد غنائى ولا يقدر على إحكامه غيرى ، ولا يكفينيه كاف ، مع الذي في الشخوص إلى قرية قرية من المئونة على الرعية من جندنا ، ومن لا نجد بدّا من إخراجه معنا . وكرهنا أيضا إشخاصهم إلينا مع تخوّفنا أن يشتغل أهل الخراج عن عمارة أراضيهم ، أو يكون فيهم من يدخل عليه من ذلك مئونة في تكلَّف السير إلى بابنا ، وقد ضيّع قراه وأنهاره وما لا يجد بدّا من تعهده في السنة كلها في أوقات العمارة ، ففعلنا ذلك بهم ووكَّلنا موبذان « 1 » موبذ بذلك ، وكتبنا به الكتب وسرّحنا من وثقنا به ، ورجونا أن يجرى مجرانا وأشخصناه وقلَّدناه ذلك . قال : ولما أمّن اللَّه جميع أهل مملكتنا من الأعداء فلم يبق منهم إلا نحو ألفي رجل من الديلم الذين عسر افتتاح حصونهم لصعوبة الجبال عليها ، لم نجد شيئا أنفع لمملكتنا من أن نفحص عن الرعية ، وأولئك الأمناء الذين وصّيناهم بإنصاف أهل الخراج . وكان بلغنا أن أولئك الأمناء لم يبالغوا على قدر رأينا في ذلك ،
هامش
« 1 » موبذان موبذ : قاضى القضاة في دولة الفرس قبل الإسلام . وقد بقيت وظيفة الموبذ ( القاضي ) إلى أواخر الدولة العباسية ، للقيام بأمور المجوس الذين دخلوا في الذمة .