فلم يعبئوا بكتابه ، وسراياهم تكرّنحو العراق وتغير على السواد . فلما تجهّز القوم نحوهم ظفربهم سابور فعمّهم بالقتل ، وما أفلت منهم إلا نفر لحقوا بأرض وبار « 1 » ، وخلع سابور أكتاف كثير منهم ، فلذلك سمّى ذا الأكتاف . وكان سابور في مسيره أتى البحرين وفيها بنو تميم فهربوا ، وشيخها يومئذ عمرو بن تميم بن مرة وعمره ثلاثمائة سنة ، وكان يعلَّق في عمود البيت في قفّة ، فأرادوا حمله فأبى عليهم إلا أن يتركوه في ديارهم وقال لهم : أنا هالك اليوم أو غدا فتركوه . فلما صبحت خيل سابور الديار لقوها خالية ، فلما سمع عمرو صهيل الخيل جعل يصيح بصوت ضعيف ، فحمل إلى سابور ، فلما نظر إلى دلائل الهرم ومرور الأيام عليه قال له : من أنت أيها الفاني ؟ قال : أنا عمرو بن تميم بن مرة ، قد بلغت من الكبر ما ترى ، وقد هرب الناس منك لإسرافك في القتل ، فآثرت الفناء على يديك ليبقى من بقي من قومي ، ولعل اللَّه يجرى على يديك فرجهم ، وأنا سائلك عن أمر إن أذنت فيه ؛ فقال سابور :
أقتلهم لما ارتكبوا في بلادي وأهل مملكتي ؛ فقال عمرو : فعلوا ذلك ولست بقيّم عليهم ؛ فلما ملكت وقفوا عما كانوا عليه من الفساد هيبة لك ؛ قال سابور : وأقتلهم لأنا نجد في مخزون علمنا وما سلف من أنباء أوائلنا أن العرب ستدال علينا . فقال عمرو : هذا أمر تظنه أم تتحققه ؟ قال : بل أتحققه ولا بدّ أن يكون ؛ فقال عمرو : فلم تسئ إليها ؟ واللَّه لئن تبقى عليها وتحسن إليها ليكافئون قومك عند إدالة الدولة إليهم بإحسانك ، وإن أنت طالت بك المدّة كافئوك عند مصير الأمر إليهم إن كان حقا ، وإن كان باطلا فلم تتعجل الإثم وتسفك دماء رعيتك ؟ فقال
هامش
« 1 » في مروج الذهب للمسعودي ( ج 1 ص 122 ) « بأرض الروم » ، و « وبار » على وزن قطام وحذام : أرض واقعة ما بين الشحر إلى تخوم صنعاء . ( انظر معجم البلدان لياقوت ) .