ثم لبس أرفع ثيابه وأكبر تيجانه وجلس ودخل الناس عليه فذكروا ما حلّ بهم من أخذ أموالهم ، وعرّفوه أنه لم يجر عليهم من ملك قبله مثل هذا ، فاعتذر إليهم ووعدهم الإقلاع عما شكوا منه وأسقط عنهم خراج ثلاث سنين .
ثم أمر بعمل قصر من خشب على أساطين خشب ممدودة بأضلاع مسمّرة يتنزّه فيه ، فعمل ودهن بالأدهان والأصباغ الملوّنة المذهبة ، وضبّب بالفضة والنحاس المذهب ، وعمل فوقه قبة من الفضة المذهبة مصوّرة بالزجاج الملوّن وعلَّق فيها الحجر المضئ الذي أتى به أبوه من المغرب . فلما فرغ القصر فرشه بأحسن الفرش وجعله طبقتين : طبقة له يجلس فيها مع من يحبّه ، وطبقة لحشمه ، وجعل حول ذلك أروقة ملصقة بالمجلس يجلس فيها من يريد ؛ فكان يركب فيه بمن احبّه من خاصته ونسائه ويصعّد فيه في الماء إلى ناحية الصعيد وتتبعه المراكب فيها أصحابه وغلمانه بالعدد والسلاح وينحدر إلى أسفل الأرض ، فإذا مرّ بمكان يستحسنه أقام فيه أياما .
واتفق أنه خرج في بعض الأيام مصعّدا فوثب رجل من الإسرائليين على رجل من سدنة الهياكل فضربه حتى أدماه وعاب دين الكهنة ، فغضب القبط لذلك وخاطبوا خليفة الملك أن يخرجهم من مصر فآمتنع دون مشاورة الملك ، وكتب إليه يعرّفه ذلك ، فكتب إليه ألا يحدث في القوم حادثة دون موافاته ، فشغبوا وأجمعوا على خلعه وتمليك غيره ، وتعرّض بعضهم إلى ذكر الملك فحشد أهل الصعيد وانحدر إليهم ، فحاربوه فهلك بينهم خلق كثير . وعاونته امرأة أبيه ، وكانت ساحرة ، فأظهرت من سحرها وتخاييلها ودخنها ما أعماهم عن النظر ، وأضعف حواسهم وأسكرهم ، فقتل خلقا منهم وصلب خلقا على عبر النيل ، ورجع إلى أكثر مما كان عليه من ابتزاز النساء ونهب الأموال واستخدام الأشراف والوجوه من القبط ومن بني إسرائيل ؛
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 129
مساهمون: النويري
ص١٢٩