قال المسعودىّ : ولم تزل أمور الصين مستقيمة في العدل على حسب ما جرى به الأمر فيما سلف من ملوكهم إلى سنة أربع وستين ومائتين ؛ فإنه حدث في ملك الصين أمر زال به النظام وانتقض به حكم شرائعهم ومنع من الجهاد . وكان سبب ذلك أنّ خارجيّا خرج ببلد من مدن الصين وهو من غير بيت الملك ، يقال له ياسر ، شرّير .
وكان في ابتداء أمره يطلب الفتوّة ، ويجتمع اليه أهل الدعارة والشرّ ، فلحق الملوك وأرباب التدبير غفلة عنه لخمول ذكره ، وأنه ممن لا يبالي به ؛ فاشتدّ أمره ، ونما ذكره ، وكثر عتوّه ، وقويت شوكته ، وقطع أهل الشرّ المسافات نحوه . فسار من موضعه وشنّ الغارات ، ولم يزل كذلك حتى نزل مدينة خانقو « 1 » ، وهى المدينة العظيمة .
قال : وهى على نهر عظيم أكبر من دجلة أو نحوه ، تدخله السفن التي ترد من بلاد البصرة وسيراف « 2 » وعمان « 3 » ومدن الهند وجزائر الزابج « 4 » . وبين هذه المدينة وبحر الصين مسيرة
هامش
« 1 » مدينة خانقو كما وصفها الإدريسي : تقع إلى الشرق من مصب نهر حمدان ( ينغ تسمى كينغ ) . وبالرجوع إلى مصوّر الإدريسي نرى أن هناك مدينة أخرى تمسى « خانكو » أو « جانكو » ، وتقع هي كذلك على الشرق من مصب نهر حمدان . ونهر حمدان ، كما رسمه الإدريسي ، يصب في المحيط بفرعين بينهما بعد كبير ، ويلتقيان في الداخل على مسافة كبيرة وتقع خانقو على الفرع الجنوبي منهما . والظاهر أنه عدّ نهر « سيكينج » ونهر « ينج تسى كينج » فرعين لحمدان ( ينغ تسى كينغ ) وقد ذهب كونراد ميللر محقق وناشر خرائط الإدريسي إلى أن خانقو هي مدينة « كنتون » الآن . كما ذهب إلى أن مدينة « جانكو » هي مدينة « تشوتشو » . ( راجع مسالك الأبصار ج 2 ص 39 الحاشية رقم 4 ) .
« 2 » سيراف : من بلاد فارس على ساحل البحر مما يلي كرمان ، وهى مدينة آهلة . ( راجع تقويم البلدان ) .
« 3 » عمان ( بضم العين المهملة وفتح الميم ) : مدينة جليلة على بحر فارس تحت البصرة ، وبها مرسى السفن من السند والهند والصين والزنج ، وليس على بحر فارس مدينة أجل منها . ( راجع تقويم البلدان ) .
« 4 » جزائر الزابج : هي في أقصى بلاد الهند وراء بحر هركند في حدود الصين ، وقيل : هي في بلاد الزنج ، ذات زرع خصب وضرع وماء كثير ، وبها مغائص اللؤلؤ وأفاويه الطيب ، وبها جبل يسمى وبرة يأوى إليه عبادها . ( راجع معجم البلدان ومسالك الأبصار ج 2 ص 34 ) .