تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 302

مساهمون:

ص٣٠٢
ويخلطوه بالتراب وكبسوا التراب حتى ساوى البناء ، ثم أمرهم بعد ذلك أن يتّخذوا أعمدة من النحاس بدلا من الخشب فصنعوها ، وجعلوا على كل حائط اثنى عشر ذراعا ، فكان طول كل عمود من النحاس مائتين وأربعة وعشرين ذراعا ، فتمكَّنوا من ذلك بسبب الردم . فلمّا استقرّ « 1 » السقف بما فيه أمر الإسكندر المساكين أن يحوّلوا التراب ، ومن خرج له شئ من الذهب فهو له ، فسارعوا إلى ذلك ونقلوه واستغنوا بما فيه ، ثم جنّد القوم أربعين ألفا ، وهم أوّل جند اتّبعوه . وقال الثعلبىّ رحمه اللَّه : إنّ الإسكندر جنّد المساكين بما حصل لهم من قراضة الذهب ، وكانوا أربعين ألفا ، جعلهم أربعة أجناد ، في كل جند عشرة آلاف . قال : ثم عرض جنده فوجدهم فيما قيل ألف ألف وأربعمائة ألف رجل غير المساكين ، وهم أربعون ألفا ؛ ثم انطلق يؤمّ الأمّة التي عند مغرب الشمس ، فسار لا يمرّ بأمّة إلَّا دعاهم إلى اللَّه تعالى ، فإن أجابوه قبل ذلك منهم ، وإن أبوا عليه غشيتهم الظَّلمة فلبست مدائنهم ومنازلهم وأعشت أبصارهم ، فيتحيّروا حتى يجيبوه ، أو يأخذهم عنوة . ولم يزل كذلك حتى بلغ مغرب الشمس . قال اللَّه تعالى : * ( فَأَتْبَعَ سَبَباً ، حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ « 2 » * ( * أي ذات حمأة ، ومن قرأ حامية فمعناه حارّة * ( ووَجَدَ عِنْدَها قَوْماً قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ) * الآيات إلى قوله : * ( يُسْراً ) * . قال الثعلبىّ : فوجد جمعا وعددا لا يحصيه إلا اللَّه تعالى ، وقوّة وبأسا لا يطيقه إلا اللَّه تعالى ، ورأى ألسنا مختلفة وأهواء متشتّتة ، وهذه الأمّة هي ناسك . فلمّا رأى ذلك كاثرهم بالظَّلمة فضرب حولهم ثلاث عساكر فأحاط بهم من كل مكان حتى جمعهم في مكان واحد ، ثم أخذ عليهم بالنور فدعاهم إلى اللَّه تعالى وعبادته ، فمنهم من آمن به ومنهم من صدّ عنه ،
هامش
« 1 » كذا في الثعلبي . وفى الأصل : « استقل » . « 2 » سورة الكهف آية 85 وما بعدها .
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 302 | النويري